بين المشاركة الشعبية والمشاركة التيارية

 جريدة الوطن السعودية

 

تمنَّت مقالة (أم القضايا الوطنية) ألا تنزلق قضية إصلاح التعليم إلى الميدان التياري الذي لا يطرح الحلول بقدر ما يؤجج الصراعات، وقد وَرَدَت بعض التعليقات التي ترى أن المقالة ضد توسيع دائرة المشاركة الشعبية، وتدعو إلى حصر القرارات الوطنية على القيادات السياسية والنخب الحكومية، وتهميش دور المواطن في صناعة القرار. والحقيقة أن هذا التوجه قد يكون ملموساً فعلاً في المقالة عند من يقرأها بعيداً عن الانفعال اليومي بقضايا التيارات. فما الذي جعل المقالة تنادي بحسم قضية إصلاح التعليم في إطار معاكس للسيرورة الحضارية التي تشترط أن تتسع المشاركة الشعبية ولا تضيق؟
يمكن طرح أسباب مختلفة للتأكيد على أن الحسم النخبوي لقضية إصلاح التعليم أنفع وأجدى للمصلحة الوطنية من الحسم الشعبي. أسرعها توارداً على الذهن هو أن تأخر إصلاح التعليم إلى حد الاستفحال يتطلب حلاً أسرع من ذلك الذي تطهوه التيارات على مهل، وأيضاً كون التعليم هو المؤثر الرئيس في حياة ومستقبل كل مواطن بلا استثناء ناهيك عن كونه إجبارياً، مما يجعل تدخل التيارات في صياغته أشبه بفرض سيادة تيارية على الوطن بأكمله. إلا أن السبب الأهم، برأيي، لأنه يخرج الموضوع من دائرة الجدل هو أنه ثمة فرق شاسع بين المشاركة الشعبية والمشاركة التيارية.
والذي جعل هذا الخلط شائعاً هو يفاع التجربة الحضارية عموماً، والتي منح فيها الفرد تياره المفضل حق الحديث نيابة عنه بدلاً من أن يقتصر دور التيار على تقوية صوت الفرد وإثراء أفكاره ليتحدث بعدها بنفسه. هذا التبادل في الأدوار الوطنية بين الفرد والتيار أدى إلى أن نعدَّ (المشاركة التيارية) في صناعة القرار (مشاركة شعبية) فاعلة وهي ليست كذلك. بينما لا نجد دولاً أخرى سابقة في التجربة الحضارية تخلط بين المشاركة (كفرد) في اتخاذ قرار وطني يحقق مصلحته المباشرة، وبين المشاركة (كجزء من تيار) لاتخاذ قرار وطني يحقق مصلحة التيار أولاً ومن ثمّ مصلحة الفرد المنتمي إليه كنتيجة تسلسلية مزعومة. يحدث هذا الخلط في السعودية بسبب غياب آليات المشاركة الشعبية المباشرة إلا من خلال التيار، وبسبب أن التيارات في السعودية ما زالت مطروحة على الساحة كخيار انتمائي أحادي (مع أو ضد) وبالتالي يكون الانتماء للتيار انتماء عاماً يصادق فيه الفرد بشكل ضمني على كل قرارات التيار ويقبل فيه أن يصبغ التيار هويته الاجتماعية باللون التياري الواحد. هذا ما يجعل قرار التيار في النهاية هو النافذ بينما الفرد فيه ليس إلا أداة لتقوية التيار وإنفاذ قراراته. بينما يفترض بالتيارات أن تكون حركات ثقافية تطرح نظرياتها على المجتمع ليأخذ منها الفرد ما ينفعه ويترك ما دون ذلك ثم يأخذ من هذا الطرح ما يعينه على اتخاذ موقف حر إزاء قضايا مجتمعه.
هكذا يكون تأثير التيارات على القرار الوطني إيجابياً لأنه (غير مباشر). وتكون التيارات بذلك قد أسهمت في إثراء المواطن نظرياً بما قد يغفل عنه، وأنعشت أفكاره من خلال الطرح والتحليل وتقليب القضايا في الإعلام، وشجعته أخيراً على المشاركة الفاعلة في صناعة القرار وإيصال الصوت. وهنا تتشكل (مشاركة شعبية) حقيقية الأساس فيها هو الفرد الذي يستعين بالتيار كقيمة نوعية. بينما المشاركة التيارية يكون فيها التيار هو الأساس وصاحب القرار، مستعيناً بالفرد كقيمة كمية ليس إلا.
والفرد عندما يشارك في صناعة القرار فإنه يتوخى مصلحته الشخصية أينما يظنها، بينما تركز التيارات على مصالح التيار بغض النظر عن مدى تماهيها مع مصلحة الفرد. ولمن يفنّد هذه الفكرة من حيث أن التيارات ليست إلا أفراداً منتمين، وبالتالي فإن خيار التيار هو خيار الفرد ومصلحة الأول هي مصلحة الثاني، أقول إن هذه حالة مثالية من علاقة الأفراد بتياراتهم لا تتحقق إلا في يوتوبيا البدايات، وسرعان ما تتحول تدريجياً إلى شعارات تخدم رموز التيار وآيديولوجيته أكثر من جملة المنتمين إليه. هذا لأن التيارات تبدأ على شكل مجموعة (أفراد) وتنتهي إلى مجموعة (أتباع). وصحيح أنهم اجتمعوا ابتداءً لتحقيق مصالح (الجميع)، إلا أنهم في الغالب ينتهون إلى تحقيق مصالح (البعض).
ولمن ينظر إلى حال التيار الإسلاموي مثلاً يلاحظ أن نشاطه مكرس لخدمة الرمز والأيديولوجيا قبل كل شيء. وثمة تكثيف لخطاب التيارات الذي يؤكد أن في بقاء الرمز رمزاً فائدة جمة، وأن في خدمة القضية الأيديولوجية مصلحة عظيمة. (مع ملاحظة أن الرمز والأيديولوجيا هو نفس الثنائي الذي انبثقت منه الأحزاب السياسية الديكتاتورية في العالم العربي!). فالملاحظ أن الكثير من جهود التيار الإسلاموي منصبة على توفير الحماية المعنوية والإعلامية لرموزه الذين ليسوا بحاجة إلى حماية، وبقية الجهد منصرف لخدمة المصلحة الأيديولوجية دون أي محاولة للتأكد من تماهي هذه الأيديولوجيا مع المصلحة الوطنية. إذن، المصلحة الوطنية لا تأتي أولاً في قائمة أولويات التيار (رغم قناعة التيار العمياء بأن المصلحة الوطنية هي ناتج حتمي لمصالح الرموز والأيديولوجيا)، وبذلك فإن التيار فقد قدرته على صناعة قرار (وطني)، لأنه تدرّب منذ نشوئه على صناعة قرار (تياري) مؤدلج.
ورغم أن التيار الليبرالوي يختلف عن خصمه في الجذر الفلسفي الذي لا يشجع كثيراً على صناعة الرموز وتكريس الأيديولوجيا، إلا أنه تعرّض أثناء تخلّقه في رحم المجتمع إلى هجمات حادة وعنصرية فكرية أجبرته على تطوير أدوات دفاعية/هجومية أكثر من تلك التي كان يفترض من تيار يرتكز على فلسفة مثل فلسفته أن يطورها. فالملاحظ أن الكثير من جهود التيار الليبرالوي الآن منصبة على الدفاع عن حقه في أن يحتل مكانة اجتماعية مساوية لتلك التي يحتلها نظيره الإسلاموي، وإن لم يتحقق له ذلك سعى إلى هزّ تلك المكانة التي لم يتح له مثلها. إنها ردود فعل طبيعية لتيار يتخلق في بيئة طاردة للتعددية، ومن الصعب أن نتوقع له نمواً طبيعياً وصحياً وسط هذه الظروف. وبغض النظر عن مسألة توزيع الذنوب، يهمنا أن نخلص إلى أن الحال التي يعاني منها التيار الليبرالوي في معركة بقائه تجعله غير قادر أيضاً على صناعة (قرار وطني)، إذ هو منشغل بانتاج قرارات تيارية عاجلة لدفع التهم ورد الضربات والحصول على الاعتراف الاجتماعي. ولو أنه أسهم في صناعة قرار وطني الآن لما تمكن من خلع لامة الحرب واستعادة توازنه الفلسفي بالسرعة المناسبة.
هذه الحال التي عليها التيارات الآن تجعل من الضرورة إبعادهم عن ملف إصلاح التعليم لأن مشاركتهم ليست (شعبية) حرة بل (تيارية) مؤدلجة. على أن يستمر العمل الجاد نحو إتاحة آليات أفضل للمشاركة الشعبية في صناعة القرار حتى لا يضطر الناس إلى المشاركة من خلال تياراتهم. فالفرد قد يفضّل أن يكون له صوت (جماعي) مسموع حتى لو لم يتفق تماماً معه، على أن يكون له صوتٌ فردي يمثل رأيه.. ولا يسمعه أحد!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي