أم القضايا الوطنية

 جريدة الوطن السعودية

 

اليوم الذي تحولت فيه عملية إصلاح التعليم في السعودية من قضية وطنية مصيرية وحساسة إلى ميدان للجدل والصراع التياري هو اليوم الذي اختُطف فيه التعليم برأيي. فمن الواضح أن القضايا الرمزية التي يحتدم حولها صراع التيارات هي القضايا التي لا تُحلّ ولا تنتهي رغم أنها تستهلك كثيراً من أوراق الصحف وأثير الإعلام وأذهان الناس. لذلك لم نعد نتفاءل بمصير أفضل لقضية إصلاح التعليم من بقية القضايا التي تُركت للشد والجذب بين تيارين ذكرتُ في مقالة سابقة أن كليهما فقد الأهلية لقيادة المجتمع. ولا أدري لماذا انزلق ملف إصلاح التعليم من الرف الذي تفصل فيه النخب السياسية والعلمية العليا في السعودية إلى الرف الذي يُترك لعوامل الحسم الاجتماعي البطيئة التي يتناوب على تسيير دفتها تياران يجدفان باتجاهين متعاكسين.
مشكلة التيارات عندما تتناوش قضيةً وطنية أو اجتماعية أنها تسعى لحسمها وفقاً لمصلحة التيار لا مصلحة الوطن (لأن كل التيارات على قناعة تامة أن مصلحة الوطن هي ناتج حتمي لمصالح التيار بطبيعة الحال!)، ولذلك فهم يتعاملون مع قضية التعليم التي وصلتهم مؤخراً تماماً كما يتعاملون مع قضايا أخرى أُشبعت جدلاً تيارياً حتى أصبحت قضايا رثّة تتمنى أن تفصل فيها السياسة بأي فصل كان إذ هو أرحم من التراكل التياري الذي لا ينتهي.
المشكلة أن يكون هذا مآل قضية إصلاح التعليم، رغم مصيريتها الهائلة وأثرها المباشر على بقاء وديمومة هذا الوطن، أن يُسمح لها بأن تنزلق كما أسلفت لتجد نفسها بين قضايا قيادة المرأة للسيارة، وافتتاح دور السينما، وعمل المرأة في محلات الملابس الداخلية! تلك القضايا الرمزية التي لا يمكن أن تُحسم لأنه لا يُراد لها أن تحسم ما دامت تؤدي دورها وتؤتي أكلها وتبقي العاميّ منشغلاً بما هو أهلٌ له حتى تنصرف النخب إلى ما هو مقرر سلفاً ومندوبٌ إليه سياسياً واقتصادياً.
الذين يناقشون قضية إصلاح التعليم حالياً، من التيارين، يملكون قدرة صوتية متزايدة على تحويل القشر إلى لب، وعلى ابتكار عبارات قطعية تجعلنا نشعر أن الحل في أيديهم متى مُنِحوا الصلاحيات. سنوات مرت منذ تحولت قضية إصلاح التعليم إلى قضية رأي عام وما زلنا نقلب موجات هذا الرأي العام فلا نسمع إلا ما هو متوقع سماعه من كل موجة. بين الإسلامويين الذين قرروا من قبل أن التعليم السعودي سينهار من أعلى شاهد في قبة الجامعة إلى أصغر عتبة في مدرسة ابتدائية بمجرد انضمام الرئاسة العامة لتعليم البنات إدارياً إلى وزارة المعارف، والليبراليون الذين قرروا أن لن تقوم للتعليم السعودي قائمة مالم ننزع تلك الصفحات الثلاث من منهج التوحيد وتلك الصفحات الأربع من منهج الثقافة الإسلامية! كلاهما أصدر قراراته التيارية التي يريد أن يصلح بها التعليم، ورأيي في هذا المشهد أن التعليم السعودي صار يشبه الجسد المثخن بالجراح البليغة بينما يسعى التياران إلى إنقاذه بتقليم أظافره وتسريح شعره!
بالتأكيد نحن نتمنى مناهج تعليم خالية من التطرف، ولكنا في حاجة ألحّ إلى أن يكون عندنا (مناهج) أصلاً. ونحن بحاجة إلى مبان مدرسية لا تحترق فيها البنات قبل أن نكون بحاجة إلى حصص رياضة لهنّ. وبالتأكيد أننا نطالب بحقائب مدرسية أخف وزناً على الأطفال، ولكننا بحاجة أكبر إلى طلاب يحبون المدرسة أياً كان ثقل الحقائب التي يحملونها. كما أننا نطالب بألا يكون هناك معلمون متطرفون أمام طاولات أبنائنا، ولكنا أيضاً بحاجة للالتفات إلى حقيقة فاضحة ومعيبة قبل أن نطالب بهذا المطلب المترف: أن من يتجه أصلاً للتدريس لدينا، وفي المدارس الابتدائية النائية بالذات، هم أضعف مخرجات التعليم العالي، تخصصاً وتحصيلاً، على الإطلاق. هل ينكر أحد ذلك؟
لا جدال في أن قضية التعليم ليست مثل أي مشكلة اعتيادية تواجه الدولة والمجتمع، ولا يمكن حلها باعتمادات سخية أو ثورات بيروقراطية فقط. إصلاح التعليم لا يمكن مقارنته مثلاً بمشكلة إيصال الكهرباء للقرى البعيدة، أو مكافحة الفساد في الخطوط السعودية، أو سعودة القطاع الخاص، أو كبح جماح الأسعار، أو النمو السكاني وما ينتج عنه من مشاكل معروفة. قضية التعليم تختلف عن كل هذه القضايا السابقة بأنها معركة بقاء وليست مشكلة مرحلية، وبالتالي يجب أن يبذل لها ما يبذل لمعارك البقاء من تصميم سياسي وإرادة حاسمة.
من أجل هذا كان من المتوقع أن تتم معالجة التعليم السعودي في مختبرات غير ملوثة بأهواء التيارات وضوضائها، يتم فيها استقبال الأفكار التطويرية المنهجية لا الأفكار المتشنجة المؤدلجة. تماماً مثلما أن قضايا هامة أخرى تم عزلها منذ البداية لفرط جوهريتها حتى لا تخوض فيها التيارات فتفسدها، فلم نسمع أن التيارات تخوض وتتصارع حول السياسة البترولية للسعودية، ولا حول ملفات مكافحة الإرهاب، ولا حول العلاقات الدولية مع القوى العظمى، ولا حول السياسات النقدية، ولا حول أنظمة الحكم الأساسية، وإن خاضت فيها فيظلّ خوضها خافتاً ومحدوداً فلا يؤثر في آلية اتخاذ القرار الهام وحسم القضايا المعلقة.
إصلاح التعليم لا يقل مصيرية وحساسية من كل هذه القضايا السابقة، وأبسط الأسباب هو أن مخرجات هذا التعليم هم الأفراد الذي يرجى منهم أن يتولوا ملفات كل هذه القضايا لاحقاً. وبالتالي فإنه يمكننا أن نعدّ قضيته منطقياً (أم القضايا الوطنية). فهل هكذا تعامل القضية الأم؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي