التناول التياري للتغريب: هل من جديد؟

 جريدة الوطن السعودية

 

يبدو أن الأمير خالد الفيصل قد ألقى حجراً ثقيلاً في بركة راكدة عندما طرح مفهوم (التغريب) في محاضرته (تأصيل منهج الاعتدال السعودي). وقد يرى البعض أن الذي حرّك البركة الراكدة لم يكن طرحه لمفهوم التغريب نفسه بقدر ما كانت الصيغة التقابلية المثيرة للجدل التي طرحها الأمير بين التكفيري والتغريبي، والتي استشعر منها البعض أنهما قد يستويان في الذنوب. وفي الحقيقة أن محاضرة الأمير ألبست كليهما ثوب التطرف الذي يجرّ آثاراً مدمرة على المجتمع، ولكنه لم يشر في محاضرته إلى تفاصيل أخرى مثل حجم الدمار، ومعيار المحاكمة، وطريقة التعامل مع كل منهما كمفهوم فكري أو كأفراد منتسبين. وربما كان الأمير يسعى بذلك إلى تحفيز النخب للتنظير لهذا المفهوم باجتهاد يشبه الاجتهاد الذي نظّروا به للتطرف التكفيري من قبل.
المشكلة أنه، وكما هو متوقع، لم يصل هذا الحافز إلى النخب الثقافية كما كان يراد به بل التقطتها قبله التيارات الاجتماعية المتصارعة لتحولها إلى وقود لجولات متجددة من الصراع الأزلي. وهذا ما بدأنا نرى آثاره فعلياً في ساحات الجدل التياري الصحفية والإلكترونية، مع اجتهادات محمودة من بعض الكتّاب لإعادة طرح السؤال توخياً للعدالة التنظيرية، وهو ما شهدته صفحات (الوطن) في الأسابيع الماضية. أما غير ذلك فلم يتجاوز المضغ التياري المعتاد للتهم المعلبة.
وجوهر الإشكال هو أن التيارات عندما تتصارع حول مفهوم جديد آتٍ من لدن القيادات السياسية فإنه غالباً ما يؤوّل أكثر مما ينظّر له، لأن التأويل هو الذي يخدم التيارات في تحقيق العائد التياري السريع من المفهوم المطروح، بينما قد يؤدي التنظير العادل إلى نتائج لا تدجج التيار بما يحتاجه من سلاح تكتيكي يناسب الجولة القادمة. ومشكلة التأويل أنه لا يخدم المجتمع ولا المفهوم ولا أياً من التيارين ولا الأهداف التي رجاها الأمير من طرحه لهذا المفهوم.
الذي يحدث الآن في المشهد التياري بعد طرح مفهوم التغريب يشبه الذي حدث إبان طرح مفهوم التكفير قبل أعوام. الأولى طرحتها قيادة سياسية متمثلة في الأمير خالد الفيصل، والثانية طرحتها الأحداث السياسية التي أعقبت التفجيرات الدولية والمحلية. السياسة إذن تطرح المفاهيم بصوتها الجهوري الذي يسمعه الجميع ويتأثر به الجميع أيضاً، ولكن الذي يحدث عـادة عـندما تتـكلم السياسة أن الرأي العام يسمع، ثم يرد، وبعد فترة طويلة.. يفكّر! ذلك لأن الحدث السياسي بطبيعته يؤثر في الشأن اليومي للناس فيستوجب ردة الفعل المباشرة التي لا تحتمل التريث، ولكن حيثيات المطروح سياسياً تزداد كثافتها تدريجياً بعد ذلك حتى تخلق حافزاً كافياً للنخب الفكرية للتنظير والتحليل ومساءلة المفاهيم من زوايا مختلفة. هذه الدورة الكلاسيكية تكرر نفسها اليوم على ضوء مفهوم (التغريب) مثلما فعلت من قبل على ضوء (التكفير).
عندما وضعت الأحداث السياسية مفهوم (التكفير) في قلب المشهد التياري اندفعت نخب التيار الإسلاموي نحو إثبات براءتها من التأثر به نظرياً أو عملياً، واكتسب مفهوم التكفير سمة التطرف منذ ذلك الحين، كما اندفع التيار الليبرالوي وراء إلصاق المفهوم التكفيري بالتيار الإسلاموي لكي يكسب الجولة الثمينة. كل من التيارين مارس ما هو متوقع تماماً من أي تيارين متصارعين، ومضى وقتٌ طويل نسبياً قبل أن يبدأ مفهوم (التكفير) في التبلور على ضوء الجهود التي بُذلت لتحليله وإسقاطه على العصر، وبرأيي أنه قطع شأواً في هذا الطريق ولكنه لم يصل إلى نهايته بعد، إلا أن نتائج هذا التبلور ظهرت فعلياً في انطلاق جهود من كنف التيار الإسلاموي نفسه لمكافحة التكفير، وانطلاق أصوات من قبل التيار الليبرالوي نفسه للتمييز بين الإسلاموي المتطرف الذي يؤذي غيره، والإسلاموي المعتدل الذي يمارس حرية الانتماء. وبالتأكيد ظلّ هناك إسلامويون وليبرالويون على عهدهم القديم، رازحين تحت وطأة الاستفزاز المشترك، ويعانون من أمراض التيـارات الشائعة مثل: الإمعان في التـعميم والعمى الأيديولوجي.
مفهوم (التغريب) اليوم يقف على نفس المربع رقم واحد الذي سبق لمفهوم (التكفير) أن وقف عليه قبل أعوام. فالتيار الإسلاموي اليوم مندفع مثلما هو متوقع منه لاستخدام هذا الطرح السياسي لمفهوم (التغريب) كأداة حادة يفقأ بها كل طروحات التيار الليبرالوي ويعرقل بها مشاريعه الاجتماعية. ومن جانبه اندفع التيار الليبرالوي لتفنيد المفهوم بسرعة قبل أن يتحول إلى تهمة شديدة الالتصاق تشبه التصاق تهمة التكفير بالإسلامويين. ويبدو أنه سيمضي وقتٌ قبل أن ينقشع ضباب هذه المعركة الابتدائية من الصحف والمناظرات والمنتديات والتحليلات السياسية والاجتماعية والثقافية، ليتاح بعد ذلك المجال أمام المفكرين من التيارين أو المفكرين المحايدين لبلورة مفهوم التغريب، وإعادة طرحه للمجتمع بصفة يفترض بها أن تكون أكثر جدوى وقابلية للتداول المفيد.
من المتوقع إذن أن يأتي وقتٌ لا نختلف فيه حول التغريب، كمفهوم وممارسة، مثلما أننا الآن على وشك أن نتفق على إدانة ثقافية لفعل التكفير. إلا أنه يصعب التفاؤل بالوصول إلى نتائج نافعة من تبلور المفهومين في ظل الإعاقات الفكرية التي تعترض الطريق أمام استكناه وافٍ لهما على المستوى الاجتماعي. فالتيارات ستبذل جهدها لتبقي المفهومين في صيغة (التهمة) التي تتطلب التوجيه إلى الآخر أو الدفع عن الذات، والسياسة ستبذل جهدها لسحب وطرق المفهومين إعلامياً وتشريعياً إلى أن يتحولا إلى أداتين وطنيتين نافعتين، وهذه الممارسة تشوش كثيراً على الذهنية الاجتماعية، وتجعل من وصول المفهومين إلى حالة التمام التنظيري شأناً مشكوكاً فيه. وبما أن التيارات لن تكف عن الصراع، والسياسة لن تتوقف عن العمل، فإن الأمر مرهونٌ بجدية الحراك الفكري في المجتمع وقدرته على العمل وسط كل هذه الضوضاء المتصاعدة والأجندات المتطايرة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي