|
صارت الوسطية من أكثر المصطلحات
شيوعاً في الحقبة الحالية من عمر السعودية، ولعل أسباب ذلك عديدة
منها التشجيع الحكومي على اعتناقها كواجب وطني، والحث الديني على
سمتي التوسط والاعتدال، وكذلك الصورة الحكيمة التي تعكسها الوسطية
على أصحابها بعيداً مقابل ما يعكسه التطرف من رعونة. وفي كل
الأحوال، لا أعتقد أن الوسطية إذا كان يُراد لها أن تثمر ثماراً
إيجابية في المجتمع أنها قد نالت ما تستحق من البحث والتنظير، ولا
يكاد المتمسكون بأهدابها يتفقون على تصنيف معرفي واحد لها، بل إنها
كادت تقع في التصنيف الإيديولوجي على الرغم من أنها لم تطرح أصلاً
إلا هروباً من المأزق الإيديولوجي نفسه.
لا نعرف ما إذا كانت الوسطية منهجاً أم سلوكاً، ولا نعرف إذا كانت
فكراً أو عرفاً، ولا نعرف أيضاً ما إذا كانت فلسفة لا يمكن إثباتها
أم ثابتاً لا يمكن إنكاره. ولا ندري أي العلماء والباحثين
والمفكرين هم أولى باستكناه ظاهرها وباطنها: هل هم علماء الاجتماع،
أم الفلاسفة، أم علماء الدين، أم علماء النفس، أم القيادات
السياسية، أم إنها متاحة للجميع لأن يعرّفها كما يريد كما هو متاح
للجميع أن ينسبها لمن يريد.
وفي ظل هذا الغياب للتأصيل المعرفي لمفهوم الوسطية، رغم أن
الكثيرين ينفون ذلك، تحولت الوسطية إلى شارة نبيلة يملك من شاء أن
يعلقها على صدره ثم يخوض بها حرباً متطرفة. وهذا ليس جديداً. فلا
يوجد متطرف في العالم (يعرف) أنه متطرف فضلاً أن (يعترف) بذلك. وفي
نفس الوقت، أزعم أنه لا يوجد (وسطيّ) حقيقي يدّعي الوسطية مع
استيقانه لماهية هذا المفهوم معرفياً، لأن الوسطية بذلك تحيّد
مواقفه وتحيله إلى حالة متذبذة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء،
وبالتالي تهمّش دوره الاجتماعي، وتتحول وسطيته إلى حالة تتعارض مع
تحقيق الذات كشرط اجتماعي إنساني.
الوسطية إذن، في حضورها المعاصر، أشبه بالحل المستعجل لأزمة
التطرف. تم اختيارها باعتبارها النقيض الواضح للتطرف أو النقطة
(الوسط) بين الطرفين. وهذا الطرح مستعجل لأنه لم يستوف البحث
الكافي ليثبت أن المشكلة يمكن حلها بمجرد طرح نقيضها على الساحة،
فثمة فروقات معنوية كبيرة بين التطرف والوسطية لا تجعل المفهومين
يبدوان متكافئين، ورب تطرف محمود ووسطية مذمومة، ناهيك عن التداخل
بين المفهومين في ذهنية المتطرف والوسطي والذي أشرت له سلفاً وإلى
الاختلافات اللانهائية حول تحديد نقطة الوسط ومسافتها المناسبة عن
كلا الطرفين. والأعقد من ذلك إذا كانت هناك أطراف أكثر في تلك
القضية (السياسية/الدينية/الاجتماعية/الأخلاقية/الفلسفية) التي
نحاول أن نلبسها لبوس الوسطية.
الغالب أنه بمجرد أن تتشكل الوسطية بحضور أقوى في الحراك الاجتماعي
سيطرح المفكرون نظرياتهم إزاءها، وسيختبرونها كمفهوم وكتطبيق أمام
آلاف الأسئلة البحثية كل حسب مجاله كما يحدث مع أي حضور كبير
لمفهوم جديد. وإجابات هذه الأسئلة ونتائج هذا البحث لا يمكن التحكم
فيها، فلتترك لحينها إذن. ولكن الذي يجدر الاهتمام به حالياً هو
التأييد الحكومي لمفهوم الوسطية بصيغتها المباشرة، باعتبارها صنواً
للاعتدال، وسمة وطنية يمكنها أن تحقق المعادلة الحضارية المناسبة
لمستقبل الوطن. وهذا مشروع استراتيجي كبير ولكنه ما زال يطبق على
أنه مجرد حملة توعوية مؤقتة. ولذلك وجب أن يبذل لها ما هو أكبر من
الدعم الإعلامي إلى التأسيس الفكري لمفهوم الوسطية حتى يمكن الوثوق
بقابليته للنمو والتسامق في تربة الوطن وسط الظروف الموسمية
والمناخية المتقلبة.
الوسطية إذن كمشروع وطني بقيادة حكومية، وكأجندة يراد من خلالها
تأسيس جيل وطني نابذ للتطرف ومتسم بالاعتدال ومتماه مع سيماء الوطن
وقابل للتطور الحضاري ومتصالح مع الآخر. هو مشروع، في رأيي
المتواضع، لم يبذل له ما يتناسب مع ما يرجى منه. وما زال الجهد دون
الطموح، والوسيلة أضعف من الغاية. ونتيجة ذلك بدأت تظهر فعلاً فيما
نراه من شيوع الوسطية فعلاً بسبب الترويج الإعلامي، ولكن بمفهوم
عائم يمكن تشكيله حسب السياق ليتحول في حالات معينة إلى قناع معتدل
لوجه متطرف. وبدلاً من أن تتجه الوسطية كمفهوم إلى عمق القالب
المتطرف لتسهم في إعادة تفكيكه من الداخل، قامت الوسطية بتغليف هذا
القالب كما هو، وإعادة تقديمه للمجتمع على أنه منتج وطنيّ مثالي!
ونتيجة لذلك، صرنا نرى (وسطيين) حسب التعريف الوطني، وهم متطرفون
بعدةّ التطرف الكاملة باستثناء النزعة الإرهابية. وهذا متوقع.
فالجهود الوطنية التي بذلت في العقد الأخير لاستئصال الإرهاب
(ولاسيما الداخلي) من الوطن هي أضعاف ما بذل من أجل تأصيل التسامح
الفكري مع الآخر، والاعتدال السلوكي في التعامل، وفتح نوافذ
التعالق والتثاقف والصعود الحضاري. ولا شك أن استئصال الإرهاب كان
يحمل أولوية أعلى من كل ما لحق، ولكن الإرهاب ليس إلا (الابن
الشرعي) لكل تلك الحالات التي يرجى من الوسطية علاجها أيضاً. ولا
يمكن القضاء على الابن المفسد إذا كان أبواه ما يزالان قادرين على
إنجاب غيره في المستقبل! |