|
اتفق العالم
بأسره على تفضيل الحزب الديموقراطي على الجمهوري في الانتخابات
الأمريكية الأخيرة وبنسبة كاسحة تقريباً، بينما اختار الناخب
الأمريكي المرشح الديموقراطي أوباما بنسبة تفوّق بسيطة لا تصل إلى
حد الاكتساح. الظاهر الذي يكاد يتفق عليه الجميع اليوم هو أن
الحقبة البوشية الأخيرة وصمت الحزب الجمهوري بوصمة على الصعيد
العالمي سيصعب على الحزب التخلص منها بينما اقتصرت هذه الوصمة
نفسها داخلياً على بوش وفريقه فقط، ولم تلحق بالحزب الجمهوري على
الصعيد الداخلي إلا الضرر الكافي لخسارة الانتخابات الرئاسية
والتشريعية، ولكن ليس إلى حد الاكتساح الشامل والسقوط النهائي من
وجدان الناس كما هو الحال عالمياً، وظلت أغلبية الجمهوريين على
ولائها لحزبها مع انتقادها للرئيس جورج بوش، وسعوا بضراوة في
الانتخابات الأخيرة إلى إيصال مرشحيهم إلى المكتب البيضاوي
والمقاعد التشريعية.
ثمة مبررات عدة لهذا الاختلاف في ردة الفعل على الحقبة البوشية بين
الرأي العالمي والرأي الأمريكي الداخلي. أولها، أن الناس خارج
أمريكا يفضّلون أحد الحزبين على الآخر بمعايير السياسة الخارجية
وحدها، وبالمدى الذي تتدخل فيه أمريكا في سياسات دولهم أو تتقاطع
فيه مع أيديولوجياتهم السائدة، بينما يختار الأمريكيون رؤساءهم وفق
سلسلة معايير مختلفة. بعضها معقد وبعضها الآخر مفرط في بساطته.
المهم أن أثر وجود رئيس ديموقراطي أو جمهوري في البيت الأبيض (أو
أغلبية ديموقراطية أو جمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب) على
المواطن الأمريكي مختلفٌ عن أثره على بقية مواطني العالم، فهو الذي
سيدفع الضرائب وسيبحث عن عمل وسيحتاج إلى رعاية صحية وسيتأثر
بحيثيات قوانين محلية كالإجهاض وحمل السلاح وحماية البيئة، بينما
لا يتأثر المواطن غير الأمريكي إلا في حدود التأثير المباشر
لسياسات أمريكا على سياسة بلاده واقتصاده ومجتمعه.
السبب الثاني يكمن في أن الجمهوريين بطبيعتهم يحبون اللعب خارج
الحدود، وملف السياسة الخارجية في العهود الجمهورية هو أضخم وأكثر
تعقيداً منه في العهود الديموقراطية التي تشغلها قضايا الداخل
أكثر. هذا ما يجعل احتكاك أمريكا بدول العالم في العهود الجمهورية
أكثر، وبالتالي يجعل ردة الفعل العالمية تجاه هذه الاحتكاكات أبرز،
مما يجعل العالم (سياسياً) يتجه إلى يقين جماعي بأنهم سيكونون أكثر
استقراراً في العهود الديموقراطية لانخفاض شهية الديموقراطيين في
التدخل في شؤون الدول الأخرى مهما كانت تستحق التدخل.
في العهد الجمهوري الأخير وصل المفتشون الدوليون إلى قلب المفاعلات
الإيرانية التي تأسست كلها تحت نظر العهد الديموقراطي الذي سبقه
دون أن يحرك ساكناً يذكر. تأسست منظمة القاعدة الإرهابية في العهد
الديموقراطي، ولم تشنّ عليها هذه الحرب الدولية الحالية إلا في
العهد الجمهوري. ليبيا التي كانت في العهد الديموقراطي السابق لم
تكن ليبيا التي فككت أسلحتها ودفعت تعويضات لوكربي بوداعة أثناء
العهد الجمهوري الأخير. التضييق الذي مورس على كوريا الشمالية لم
يبلغ هذا الحد في تاريخ الصراع إلا على أيدي الجمهوريين. ولم تفتح
ملفات عالمية كانتهاكات دارفور والدرع الصاروخي وقضايا حقوق
الإنسان على مستوى عالمي وبنبرة عالية كما حدث في العهد الجمهوري.
هذا علاوة على أنه أثناء هذا العهد قامت أمريكا بتغيير كامل
لنظامين فاسدين من أنظمة الحكم في العراق وأفغانستان. وكل هذا لم
يكن بالضرورة مشاريع ناجحة للجمهوريين، بل إن بعضاً منه مني بفشل
ذريع. ولكنه ليس إلا أدلة على انخراط الجمهوريين بشكل أوسع في
الشؤون العالمية مقابل الميل الديموقراطي نحو عدم التدخل في شؤون
الغير، بغض النظر عن سؤال المسؤولية الأخلاقية للدولة الأقوى تجاه
الإنسان والعدالة والحرية في العالم.
ولكن يبدو أن الذي حدث في الحقبة البوشية الأخيرة هو أن الجمهوريين
بالغوا في ممارسة اللعب خارج الحدود هذه المرة، ربما لأنها كانت
أول حقبة جمهورية طويلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي كان
الملعب خالياً تماماً للقوة العظمى الوحيدة، وربما لأن تداعيات
السياسة العالمية هذه المرة جرّت الحزب إلى لعبٍ طويل لم يكن
متوقعاً. الجمهوريون إذن يمنحون العالم أسباباً للقلق، مما ينعكس
على رغبة العالم في وجودهم في قمة هرم السياسة الأمريكية، بغض
النظر عما إذا كانت تدخلات أمريكا الجمهورية في شؤون العالم
إيجابية في بعض الحالات التي تتضاءل أمام سلبية الحالات الأخرى،
ولاسيما في الحقبة البوشية. ودولٌ كثيرة تعرف الفرق في التأثير
الذي سيقع عليها مع اختلاف الحزبين، وترسم سياساتها الخارجية على
أساس هذا الفرق الجوهري.
سببٌ آخر لهذا الفارق في تفضيل الحزب الديموقراطي على الجمهوري في
الرأيين العالمي والأمريكي يتلخص في بروز قيادات كاريزمية كبرى في
الحزب الديموقراطي خلال العقد الأخير يمتد إلهامها على مستويات
إنسانية عامة مثل آل جور، رجل البيئة الأول، ونانسي بيلوسي وهيلاري
كلنتون، ممثلتي المرأة السياسية المقتدرة في العالم، وأخيراً باراك
أوباما ذي الحكاية الملهمة واللسان الذهبي. كل هذه القيادات
الديموقراطية التي برزت في العقد الأخير لم يقابلها في الحزب
الجمهوري إلا جورج بوش (الأب والابن) بسياستيهما المحافظة العتيقة،
وأيديولوجيتهما الفظة عند التعامل مع العالم، بالإضافة إلى المرشح
المهزوم جون ماكين الذي يحكي حكايات فيتنام البائتة، ونائبته التي
زج بها في معركة الرئاسة الأخيرة على عجل لتحقيق مكسب انتخابي سريع
من الأمريكيات. إذن، العقد الأخير هو عقد ديموقراطي على مستوى
الشعبية العالمية بسبب تفوق رموز الحزب الديموقراطي في القدرة على
الإلهام واكتساب القبول على نظرائهم من الحزب الجمهوري الذي لم
يبرز منه على مستوى عالمي إلا آرنولد شوارزنيجر، حاكم كاليفورنيا،
والذي تمنعه شهادة ميلاده النمساوية من أن يحلم بمنصب أعلى من الذي
يشغله حالياً. وبالتأكيد أن هذا الخطأ التسويقي قد وضع قيد الفحص
الدقيق من قبل الحزب الجمهوري، ولن يلبث أن يعيد تسليح نفسه
بقيادات ملهمة وأنيقة وساحرة مثل رونالد ريجن في العقد القادم أو
الذي يليه. |