|
(1/2)
وول مارت، لمن لا يعرفها، شركة أمريكية بحجم
دولة صغيرة، وباقتصاد دولة كبيرة. وهي أكبر شركة مبيعات تجزئة في
العالم على الإطلاق، وتحقق أرباحاً سنوية تعادل مجموع أرباح أكبر
خمسة منافسين لها! ويعمل فيها أكثر من مليوني شخص، ويلج إلى فروعها
للتسوق أكثر من مائة مليون شخص يومياً، وهي تحقق دخلاً سنوياً
يجعلها، إذا ما قورنت بالدول، تحتل الترتيب الثامن عشر كأعلى دخل
سنوي بين "دول" العالم، وليس شركاته فقط. وإذا كانت شركة
مايكروسوفت قد استطاعت أن تدخل اثنين من مؤسسيها قائمة أغنى عشرة
أشخاص في العالم، فإن شركة وول مارت وحدها أدخلت خمسة من أفراد
أسرة والتون إلى نفس القائمة!
إن محاولة وصف شركة وول مارت بالأرقام هو أمر مرهق فعلاً، فالشركة
عملاقة إلى الحد الذي يجعل كل ما يتعلق بها هائلاً، واستثنائياً،
وغير مسبوق على الإطلاق. وربما يدور التساؤل حول ما يمكن أن يجعل
من مجرد (سوبرماركت) ناجحاً إلى هذا الحد، والجواب أن وول مارت لا
تبيع بشكل عادي فحسب، بل تتربع على نظام معقد جداً، ليس له مثيل،في
عمليات الإدارة، والتوزيع، والمحاسبة، والتسويق،
والمقاولة،والاستيراد، مما يخفض التكاليف إلى حدودها الدنيا. وهذه
العبقرية المتراكمة في إدارة الشركة، هي عملة وول مارت الذهبية،
وهي التي أعيت منافسيهم الذين فشلوا في توفير السلع بأسعار أقل من
وول مارت، رغم أنهم جميعاً يشترونها من نفس المورّدين أحياناً،
ولكن وول مارت وحدها تبيعها أرخص من أي منافس آخر، مما يجعلها محل
ثقة الملايين من الزبائن للحصول على أفضل سعر وقيمة ممكنين.
ومؤخراً، وقعت وول مارت تحت ضغوط إعلامية بعد
تصاعد الانتقادات حول حقوق الموظفين، وانخفاض الرواتب، وضعف
التأمينات التقاعدية، وبضعة أنواع معينة من العنصرية ضد النساء
العاملات، وتفضيل الرجال عليهن، وبما أن وول مارت هي الشركة ذات
عدد الموظفين الأكبر في العالم تحت إدارة رجل واحد، فقد كان لمثل
هذه الضغوظ صدى كبير في تشكيل ما يشبه الحملة الإعلامية التي أجبرت
الشركة على إعادة النظر فيما تقدمه لموظفيها من ميزات. ولا يمكننا
بسهولة أن ننفي دور المنافسين في إذكاء مثل هذه الحملات. غير أن
الشركة، في الحقيقة، ورغم سمعتها المشوهة تجاه رواتب موظفيها، كانت
من أشد الداعمين لقانون رفع الحد الأدنى للرواتب والذي كان قيد
الدراسة في الكونجرس، رغم أن القانون في حال تم تمريره سيكلفها
الكثير. ولكن وول مارت مستفيدة من ذلك من ناحية أخرى، إذ إن أغلب
زبائنها من محدودي الدخل، والذين ستؤدي زيادة مرتباتهم إلى زيادة
معدل إنفاقهم في محلاتها، وتلك متاهة الأعمال. إلا أن دعم الشركة
لهذا القانون قوبل باستحسان كبير من الناس، وأعاد الثقة إلى
المسؤوليات الاجتماعية للشركات الكبرى في المجتمع.
ولم تكن هذه القضية الوحيدة التي واجهتها
الشركة، فقد اضطرت عدة مرات لدفع ملايين الدولارات كتعويضات في
قضايا رفعت ضدها لتسببها في أضرار بيئية. ووسط كل هذه الضغوط، قررت
الشركة أن تخطط جيداً لمسؤولياتها الاجتماعية بعد أن استشعرت
الترصد الذي أصبح مكرساً ضدها، فبعد أن ضرب الإعصار كاترينا نيو
أورلينز وما جاورها، سجلت وول مارت موقفاً مشرفاً جداً عندما كانت
السباقة إلى فتح مستودعاتها على مصراعيها للمتضررين الذين هم في
حاجة ماسة للمؤن الضرورية، وقد وفرتها وول مارت لهم قبل أن تبدأ
الحكومة الأمريكية نفسها في ذلك، وبتعليمات مباشرة من رئيس الشركة
قبل أن يفكر رئيس الدولة في الأمر! وتحولت شاحنات وول مارت التي
تجوب شوارع المدينة المنكوبة إلى ما يشبه سيارات الإطفاء، والنجدة،
والإسعاف. وتحول موظفوها وسائقوها إلى أبطال لا يقلون شرفاً عن
رجال الإنقاذ. ومرة أخرى، كسبت وول مارت جولة جديدة ضد حملات تشويه
السمعة، وسجلت موقفاً سباقاً لم تتمكن أي شركة أخرى من المجازفة
بما يترتب عليه من خسائر.
ولكن مفاجأة وول مارت الكبيرة لم تأتِ بعد، وهذا هو مربط المقال،
فبعد سنة كاملة من العمل مع مستشارين مستقلين متخصصين في مجال
البيئة من أجل قياس الأثر الذي تحدثه شركة بحجم وول مارت على بيئة
العالم، أو بالأحرى إعادة تقييم العضلات البيئية للشركة، تمكنت
الشركة من ملاحظة الكثير من النقاط التي كانت جديرة بالاستغلال
لتجنب ما تتعرض له الشركة من انتقادات، وما تدفعه من تعويضات.
وبدأت مشروعها البيئي الكبير، أو بالأحرى، أكبر مشروع بيئي تتبناه
منظمة ربحية خاصة في التاريخ. فبعد أن استشعرت الشركة تأخر الحكومة
الأمريكية في التدخل بشكل فعال وملموس في قضايا البيئة، قررت ألا
تنتظرها، فالشركة وحدها قادرة على ما تقدر عليه الدول، ولحسن حظ
هذا الكوكب وساكنيه، أن المشروع الذي تتبناه هذه الشركة الآن بكل
قوتها هو الحفاظ على البيئة، وبشكل فعال وملموس وعملي، بدلاً من
المشاريع الكلامية والأكاديمية التي لا تزيدنا إلا حزناً وقلقاً،
دون خطة عمل، أو لنقل: خطة إنقاذ.
جولة عالمية قام بها أكبر ملاك الشركة في
أنحاء مؤلمة من العالم، اطلع فيها بنفسه على الهاوية البيئية التي
يتجه إليها الكوكب، استطاعت أن تحدد الملامح الرئيسة للمشروع
البيئي، وعاد بعدها وقد اتخذ قراره بالمساهمة الفعالة للتغيير من
طريقة تعاملنا مع الكوكب، ولعلنا نشير لغوياً إلى أن كلمة (فعالة)
لدى رجال الأعمال تختلف كثيراً عن المفهوم الحكومي والسياسي
المطاطي للكلمة. وهذا ما يدل عليه المشروع الذي تبنته وول مارت،
وأخذته على عاتقها، وهو عاتق يتحمل أكثر مما نتوقع.
المشروع لا يختلف عن بقية المشروعات البيئية
في حجمه وتأثيره الهائلين فحسب، بل لأنه مختلف نوعياً أيضاً من حيث
إنه يخلق دوافع غير معتادة للحفاظ على البيئة، وقابلة للاستمرار
وحدها. فلطالما ثبت لنا أن الدوافع الأخلاقية والإنسانية ليست
كافية لإحداث التغيير المقبول، وأن حشو قلوبنا بالقلق على مصير
الكوكب لن يدفعنا للتوقف عن قيادة السيارات مثلاً، ولكن الدافع
الأقوى هنا كان الدافع الاقتصادي، وول مارت شركة تجيد لعبة
الاقتصاد. الفكرة بسيطة. وهنا بعض تطبيقاتها، وليقس القارئ عليها،
فمثلاً على صعيد الثروة السمكية، قررت وول مارت ألا تشتري أي سمكة
من شركة صيد لا تصيد الأسماك بطريقة تحافظ على الثروة البيئية
البحرية، هل هذا القرار مجد ومؤثر؟ الذي يجيد تقدير التأثير
العالمي لشركة بحجم وول مارت ستختلف إجابته عمن لا يجيد ذلك حتماً.
فالكثير من مصائد الأسماك تستخدم المتفجرات في الصيد، أو الشباك
المسحوبة عشوائياً بعرض البحر، وهي تهلك من السمك أربعة أضعاف ما
يتم استهلاكه فعلياً منه. وبما أن وول مارت هي أكبر بائع للمنتجات
البحرية في العالم، فلا شك أن إرضاءها كشركة هو الهاجس اليومي،
والكابوس الليلي لكل شركة صيد في العالم. وهكذا كان قرار بسيط جداً
من وول مارت، لا يكلفها الكثير، استطاعت أن تقلب به آلية صيد السمك
بعرض العالم كله، ليس من أجل عيون السمك المدهوشة دائماً، بل من
أجل الإنسانية أيضاً، فالمعروف أن أكثر من مليار شخص في العالم
يعتمد اعتماداً مباشراً على المنتجات البحرية لتأمين حاجته
الغذائية من البروتين، بينما يعتمد عليها أكثر من 200 مليون شخص في
العالم كمصدر رزق، في حين أنه منذ عام 1950 حتى الآن، اختفى أكثر
من 90% من الثروة السمكية في العالم. وياله من رقم مقلق فعلاً!
وبهذا سيتم تسجيل مشروع وول مارت السمكي هذا،
الذي هو مجرد جزء من أجزاء مشروعها البيئي الواسع، كأكبر مشروع
لحماية الثروة السمكية في تاريخ المحيطات والبحار جميعاً، وذلك بعد
تنسيق متقن مع جامعات كبرى مهتمة بعلوم البيئة البحرية، والخطة
التي بدأ تنفيذها فعلياً الآن تسعى لتحقيق هدف صارم خلال خمس إلى
سبع سنوات ينتهي بألا يتم بيع سمكة واحدة في متاجر وول مارت دون أن
تكون مزودة بشهادة تثبت أنه تم اصطيادها بشكل لا يعرّض جنسها
للانقراض، ولا يتم بيع منتجات الربيان وغيرها مما تتم زراعته بشكل
خاطئ يضر بالنظام النباتي المحاذي للسواحل والضفاف أبداً. ومن
الطبيعي أن وول مارت لا تشتري من كل مصائد الأسماك في العالم، ولكن
أثر قرارها هذا لا بد أن ينتقل تدريجياً إلى المصائد الأخرى التي
لا تتعامل معها،لأن الفكرة انقدحت فعلاً، وأصبحت نظام عمل معياريا،
وسيصبح من الصعوبة البالغة على المصائد غير المنضبطة، قانونياً
واقتصادياً، أن تبقى خارج الركب، لأن ضمير المستهلك سيتجه تدريجياً
نحو الشراء من وول مارت كمساهمة لا تكلفه شيئاً لخدمة الكوكب،
لاسيما وأن وول مارت هي الأرخص على أي حال.
(2/2)
لأن مشروع وول
مارت كان من الهول بحيث لا يمكن اختصاره في مقال واحد، لم تسعفني
المساحة المتاحة في الأسبوع الماضي إلا لذكر جانب حماية الثروة
السمكية من المشروع،
وهو
جانب، رغم ضخامة أثره وتأثيره، ليس إلا جزءاً من المشروع الكبير
ككل، والذي
يكاد يلم تقريباً بكل ما يتعلق بالبيئة والصحة والطاقة. ولهذا
رأيتُ أن أسترسل هنا
في
تفصيل جوانبه، راجياً ألا يتدخل الملل بيني وبين قارئ ما، وإن فعل،
فليقبل
اعتذاري سلفاً، فقد صارت كل ثياب هذا الكوكب البيئية مثقوبة إلى
الحد الذي يجعل
الكلام عن رتقها مملاً فعلاً. ولكن ما يشفع هنا للاسترسال هو أننا
لا نتحدث عن
مشاريع
البيئة المعتادة التي تحقق أقل من المأمول، ولا تصنع فرقاً يذكر
إلا في حدود
ضيقة. فهذا
المشروع عند اكتماله يكاد يكون الأكبر تاريخياً على مستوى العالم،
والأكثر فعالية، والأقوى تأثيراً، والأهم من ذلك كله: أهليته لطول
الأمد بخلقه
دوافع اقتصادية ذات طابع استمراري، وليس تلك الدوافع الأخلاقية
والضميرية المؤقتة
التي سرعان ما يهملها العالم فور تعارضها مع أول عامل كلفة اقتصادي
حقيقي. ولذلك
فإن
مشروع وول مارت يعتبر نتاجاً عقلياً في مضمونه الأوليّ، قبل
تطبيقاته الفعلية،
الأمر الذي جعل بعض المراقبين يرشحون الشركة لجائزة نوبل في فرعي
السلام
والاقتصاد.
على
صعيد البيئة النباتية، قررت وول مارت أنها لن تشتري أي منتج
خشبي، من أثاث وغيره، من شركة تحصل على الخشب من غابة يتم قطع
أخشابها بشكل غير
قانوني، كما يحدث في البرازيل، أو من غابة لا تعاد فيها زراعة شجرة
بديلة عن كل
شجرة تقطع لتحافظ على توازن البيئة، وهذه واحدة من أهم أركان
المشروع البيئي، لأن
الغابة هي رئة الأرض، وتعاني من خطر محدق فعلاً. ففي كل ثانية يتم
قطع مساحة من
الأشجار مقاربة لمساحة ملعب كرة قدم! وفي الغابات الاستوائية يقدر
العلماء أن أكثر
من
137 مخلوقاً ينقرض يومياً. وتلك أرقام لا يمكن تخيلها على الإطلاق
ما لم نستوعب
حقيقة حجم الكوكب ومخلوقاته، وحقيقة أن نصف المخلوقات الحية
الموجودة على الكوكب
تعيش في
الغابات. وكان لقرار وول مارت تأثير كبير بالطبع، إذ أعاد الكثير
من تجار
الأخشاب
النظر في تجاراتهم، وتكونت عدة مؤسسات رسمية عقب قرار وول مارت
هذا، لتقوم
بمهمة مراقبة الغابات، ومنح تجار الأخشاب الشهادات التي تؤهلهم
لبيع أخشابهم لوول
مارت.
وول
مارت أيضاً قررت ألا تبيع أي مادة كيميائية ثبت ضررها على الإنسان،
أو
الحيوان، أو البيئة. وقد يبدو هذا قراراً بدهياً تقوم به أي شركة،
وليس لوول مارت
أي
أسبقية في اتخاذه مما يمكن أن تستحق عليه شكراً إضافياً. غير أن
المشكلة تكمن في
آلية تحديد المواد الكيميائية الضارة أصلاً إذا ما علمنا أن أكثر
من 71% من المواد
الكيميائية التي نستخدمها في حياتنا اليومية من منظفات، وغيرها لم
يتم إخضاعها لفحص
مخبري صحي بعد، في حين أنها خضعت لفحوص صناعية بسيطة بالطبع. ولهذا
سعت وول مارت
إلى إجراء
فحص شامل لكل منتج كيميائي تبيعه لتتأكد من أنها تقدم منتجات آمنة
وصديقة
للبيئة، وهذا فحص مكلف مادياً إذا أخذنا في الاعتبار عدد المنتجات
الهائل. وبهذا
تقدم وول مارت خدمة تصنيفية علمية بالغة الأهمية للإنسانية، بل إن
شركة وول مارت
تتخذ خطوات إضافية في مخاطبة مصنّعي هذه المنتجات لتطلب منهم تغيير
طريقة التصنيع
أو
تتوقف الشركة عن التعامل معهم. ويذكر أحد التنفيذيين في الشركة قصة
طريفة حدثت
عندما قام بمخاطبة مصنع ينتج مركباً كيميائياً ساماً يستخدم في
محركات السيارات،
وطلب منه تعديل المنتج بحيث لا يكون ساماً، فوافقوا على الفور، مما
أدهش الرجل،
ودفعه إلى سؤالهم: إذا كنتم تعرفون من قبل أنه مركب سام، وتستطيعون
تغييره بدون
تكلفة إضافية، فلماذا لم تقوموا بذلك؟ فأجابوه بكل بساطة: لأن
أحداً لم يطلب منا
ذلك
أبداً!
كما
أن وول مارت قررت ألا تشتري المنتجات المغلفة بغلاف بلاستيكي غير
قابل لإعادة التدوير. وتهدف الشركة من هذا القرار أن يصل حد
النفايات البلاستيكية
إلى
الصفر تماماً، بحيث لا يتم رمي أي قطعة تغليف بلاستيكية، وبالتالي
يصبح استهلاك
الشركة من البلاستيك قريباً من الصفر، فهي تستخدم كمية ثابتة تعيد
تصنيعها كل مرة.
والمعروف أن منتجات البلاستيك غير القابلة للتدوير من المنتجات
التي تسبب صداعاً بيئياً كبيراً للمهتمين بالبيئة. ذلك أن بعض
المواد لا يمكنها التحلل والعودة إلى
عواملها الأولية في مدة أقل من قرن من الزمان! وإذا أخذنا في
الاعتبار كمية
النفايات البلاستيكية التي يرميها البشر يومياً يبدو الأمر وكأن
الأرض تتحول
تدريجياً إلى حاوية نفايات ضارة، وبالتالي تبرز تقنيات إعادة
التدوير كحل ضروري
لهذه الأزمة، ولكن يظل العامل الاقتصادي هو الحكم هنا. فما زالت
تكلفة تصنيع كيس
بلاستيكي جديد من النفط أرخص من إعادة تدوير كيس مستعمل، ولهذا رأت
وول مارت أن
الطريقة المثلى هنا هي دعم عدد من مصانع التدوير حتى تتمكن من
الوقوف على أقدام
اقتصادية ثابتة ومنافسة، وهذا ما قامت به بالفعل، ونجحت، حتى أصبحت
هذه المصانع
المستقلة قادرة على تقديم منتجات معادة التصنيع بسعر أرخص من
المنتجات الجديدة،
فانقلب الميزان التنافسي، وأصبحت حاويات إعادة التدوير في كل زاوية
تقريباً، وانسحب
هذا
التفاعل المتسلسل إلى مصانع البلاستيك التي صارت تجد في البلاستيك
القابل
لإعادة التدوير أكثر طلباً، وربحية، من غيره.
وإمعاناً في دقة الدراسات التي
قامت بها الشركة حتى لا تترك أي فرصة يمكنها أن تضيفها للمشروع
البيئي إلا وتستغلها
تماماً لصالح الكوكب، قررت ألا تشتري أي منتج يتم تغليفه بشكل زائد
عن اللازم ولو
بسنتمترات قليلة زائدة من الورق المقوى، ذلك بعد أن اكتشف خبراء
التغليف اكتشافاً
صغيراً ومهماً عندما أجروا دراسة كشفت أن عدة سنتيمترات يتم
اختصارها من كل علبة
كرتونية للعب الأطفال، أو ساعات الحائط مثلاً، مضروبة في عدد ما
تبيعه وول مارت
سنوياً من هذه المنتجات، ستوفر على الكوكب 3425 طناً من الورق
المقوى، و1385
برميلاً من مشتقات النفط، و5190 شجرة. كل هذا اللقمة البيئية
الضخمة وفرتها بضع
بوصات زائدة، وغير ضرورية، ولا ينتبه إليها أحد من علبة ما!
وفي
مجال الطاقة،
قررت وول مارت أن تكون كل مبانيها القادمة مباني صديقة للبيئة،
تستمد طاقتها من
الريح، والشمس، ويتم تصميمها بشكل يوفر الطاقة بكل الوسائل التقنية
الممكنة.
وبالفعل
قامت الشركة ببناء عدة مبان تجريبية نموذجية من هذا النوع، متخذة
إجراءات
صارمة بشأن كل التفاصيل الدقيقة التي تستهلك الطاقة بدون مبرر.
ومنها، أجهزة
التبريد التي تعرض فيها المواد الغذائية. ففي الغالب أن محلات
السوبر ماركت الأخرى
كما
تعودنا أن نراها تترك أجهزة التبريد مفتوحة بحيث يتناول الزبون
السلعة التي
يريدها مباشرة، ولكن وول مارت قررت أن تكون كل أجهزة التبريد مزودة
بأبواب بحيث
يقوم الزبون بفتح الباب ليلتقط السلعة التي يريدها. هذه الأبواب
المغلقة توفر 70%
من
الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل المبرد، أي إن 70% من الكهرباء
كانت تضيع
هدراً لمجرد أن يتناول الزبون سلعته بسهولة دون أن يتكبد عناء فتح
الباب. بالإضافة
إلى
تقصير عمر جهاز التبريد نفسه. وفي المباني النموذجية التي بنتها
الشركة حتى
الآن لمحات ذكية جداً لتوفير الطاقة لا يمكن أن تخطر في بال الزبون
العابر.
إن
مشروعاً كهذا يعيد الاقتصاد إلى مهمته الأصلية، وهي إدارة موارد
الحياة بحكمة بحيث
تظل
مستمرة، ومستقرة، وموزعة بعدالة على أفراد المجتمع، والبيئة هي
المورد الأول
والأهم، لأنها أم النعم جميعاً، وبما أن الاقتصاد هو المستهلك
الأول لها، كان يجب أن يكون في المقابل، ملاكها الحارس. وول مارت
تسعى لتطبيق هذه المعادلة تماماً، بعد
أن
غفل عنها اقتصاديون كبار في متاهة أهدافهم الربحية قصيرة الأجل،
وما زال هناك
الكثير من جوانب مشروع وول مارت الإنساني والبيئي لا يتسع المقال
لذكرها وتفصيلها،
ولكني سأختم بحقيقة رقمية إنسانية هائلة، دون أن أعلق عليها: وول
مارت وحدها، ومن
خلال نشاطها التجاري مع الصين، تقوم (شهرياً) بإخراج 38 ألف صيني
من خط الفقر! نعم
،ليست
هذه غلطة مطبعية، قلت: شهرياً!
|