أقسم بالله العظيم..

 جريدة الوطن السعودية

 

تمنيتُ لو أن الأمير خالد الفيصل عندما كتب بيته الشهير (إذا صفالك زمانك علّ يا ظامي – اشرب قبل لا يحوس الطين صافيها)، أنه كتب ملحوظة صغيرة في الهامش: (هذه النصيحة غير موجهة لموظفي الدولة وأصحاب المناصب الحكومية!)، ولو أنه فعل لربما حرم الكثير من المتنفعين من مناصبهم ذلك الإلهام المعنوي الذي تمنحه أبيات الشعر الرنانة، وتلك الحكمة العكسية التي تبرر لهم ما يفعلون. ذلك أن كثيراً منهم على ما يبدو اتخذوا من هذا البيت نبراساً لعملهم، فاعتبروا مصالحهم المتأتية من مناصبهم جزءاً من حقوقهم فيه تماماً كالراتب والإجازات. يعني هذا أن سيكولوجية الموظف الحكومي الكلاسيكية في السعودية صارت مصوغة في قالب مشترك: البقاء على قيد الراتب الضئيل في سلم الدرجات الدنيا حتى يأتي المنصب، ثم تعويض ما انقضى من العمر فيها بما تفتحه الدرجات العليا من فرص كان يراها تتقاطر على مكتب مديريه ومرؤوسيه سنين طوالاً، واليوم جاء دوره.
أتساءل ما إذا كان من المجدي أن يتم فرض قَسَم رسمي لموظفي الدولة يقسمون به بداية كل سنة هجرية، وتتم صياغة القسم بشكل يناسب كل جهة حكومية بما تمارسه من أعمال وما تحظره من مخالفات، مع تجنب صيغ القسم الفضفاضة التي قد يجد المرتاب فيها فرجة لمخالفاته فيبررها ذهنياً بأنها لا تخالف القسم. أتساءل ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى رفع أخلاقيات المهنة في الجهات الحكومية ويخفف الكثير من الأعباء الرقابية بما أن المجتمع السعودي متدين ويضع للقَسَم الرباني قيمة ضميرية عالية. على سبيل المثال أن يقسم موظفو وزارة التربية والتعليم بالقسم التالي كل عام ((أقسم بالله العظيم ألا أقوم بأي عمل يساعد على نقل معلمة قبل دورها في النقل))، ويقسم موظفو الخطوط السعودية (ثلاث مرات على الأقل!) بالقسم التالي: ((أقسم بالله العظيم ألا أحجز مقعداً لأي راكب لم يتقدم بالحجز حسب النظام وبعد أن يتم حجز مقاعد جميع من تقدموا قبله))، ويقسم موظفو هيئة الأمر بالمعروف القسم التالي ((أقسم بالله العظيم ألا أقوم بمطاردة أي سيارة وألا أمارس العنف مع أي إنسان))، ويقسم موظفو الجمارك ((أقسم بالله العظيم ألا أقوم بتأخير إجراءات أي شحنة ما دمت قادراً على إتمامها في نفس الوقت، وألا أقدم بضاعة تاجر على تاجر، ولا أتحصل على أي فائدة مادية أو معنوية مقابل القيام بعملي))، وهكذا تقوم كل جهة حكومية أو حتى على مستوى الإدارات بصياغة قسم رسمي مشتقّ من طبيعة عمل الإدارة ولائحة المخالفات الرسمية.
هذا القسم لا يعني قطع الأمل في مهام الرقابة الحكومية والانصراف عن تطويرها، ولا يعني اليأس من صلاح العمل البيروقراطي إلى حد مطالبة الموظفين أن يحلفوا والسلام، ولكنه تجنيد مباح لأخلاقيات المجتمع اليومية في مكافحة الانحرافات التي يمارسها موظفو الدولة بشكل يومي والتي تحاول أذهانهم تجنب التعمق في تحليلها وتصنيفها أخلاقياً خوفاً من أن تزعج النتيجة ضميرهم القلق، وبالتالي تأتي صيغة القسم لتمنحهم تلك الصلة المباشرة وترسم الخط المستقيم بين تصرفاتهم ومسمياتها الحقيقية. فالمحسوبية مثلاً دأب المجتمع على تسميتها (واسطة) من باب التخفف من ذنبها الثقيل، ولو جاء القسم ليضع المسمى الحقيقي لهذا التصرف وهو (خيانة الأمانة) لاستنكف موظفون كثر القيام بها بعد أن كفاهم القسم تمويه المسميات الشائعة، حتى تحولت الذنوب الواضحة إلى عادات بيروقراطية، والانحرافات المخزية إلى مواقف يُحمد فاعلها ويُعلى شأنه بين قومه وقبيلته مقابل كل ما يقوم به من (خيانات) متكررة من أجلهم! الدكتور علي الوردي ذكر في معرض تحليله للشخصية الاجتماعية العراقية أنها متناشزة اجتماعياً من حيث ذمّها للواسطة إذا نالها الغير، وقبولها بصمت إذا كانت من صالحها. والشخصية الاجتماعية السعودية لا تختلف كثيراً عن نظيرتها العراقية في هذا الشأن إن لم تكن أفدح في استمراء الواسطة وتنويع مسمياتها حتى على المستوى الشرعي (شفاعة)، والمستوى القبلي (فزعة)، والمستوى السياسي (منحة)، والمستوى الإنساني (مساعدة)، وذلك لمنحها القيمة الأخلاقية المعاكسة تماماً. كل هذه المسميات أسهمت تدريجياً في تحويل الخائن للأمانة المهنية إلى نبيل، والمتنفّع من المنصب الحكومي إلى (ذيب).
يمكن بسهولة إعادة تسمية كل تصرف بمسماه الحقيقي في لوائح العمل، ولكن تغييره في الذهنية الجمعية التي ينتمي إليها الموظف الحكومي أمرٌ صعب. ولذلك يمكن أن يأتي القَسَم السنويّ كحل للتضليل الذي يمارسه المجتمع على ضمير الموظف أو حتى يمارسه الموظف على نفسه، ويكون ذلك عن طريق إحكام صيغة واضحة الربط بين التصرف واسمه، وحتى لو إنها لم تقنع الموظف بهذه التسمية، فقد وقع التزامه الأخلاقي والرباني بتلفظه بالقسم، وصار ضميره واقعاً تحت ضغط الوفاء به.. وإن لم يكن مقتنعاً!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي