إجازة الصيف تحت المجهر الاجتماعي

 جريدة الوطن السعودية

 

إجازة الصيف من كل عام يمكن أن تؤخذ كمقياس اجتماعي مهم للتغيرات التي تعرض لها المجتمع خلال عامه المنصرم. فالتمعن في سلوكيات المراهقين في إجازة الصيف يمكن أن يفيد في فهم الحالة المجتمعية التي ينضج في أتونها هذا المراهق بدلاً من الاكتفاء بتكرار عبارات التذمر والازدراء المعتادة. فلا شك أن شيئاً مما كان يفعله المراهق أثناء إجازة الصيف في التسعينات تغير عنه في الألفين، وبغض النظر عن سلبية ما يقوم به أو إيجابيته (وهو شأن أخلاقي نسبي) فإن صراحة ممارسة السلوك هي المدهشة، وبروزها الحادّ هو الجدير بالملاحظة. هذه الصراحة الفجة لا تعني أن شباب اليوم (قليلو الأدب) كما تميل ردة الفعل البسيطة أن تعقّب، ولكنها تعني أنهم بشكل أو بآخر تخلصوا من بضعة قيود اجتماعية كانت تقيد أجيالاً سبقتهم من المراهقين وجعلت قدرتهم على التعبير أصعب. أما الآن، فمن الواضح أن قلقهم من النقد الاجتماعي أقلّ، ومبالاتهم بالعاقبة المعنوية لا تكاد تذكر. هذا يعني أن هذا المراهق أصبح يرى أن شخصيته التي كان للمجتمع حق تقييمها بالكامل أصبحت أقل احتياجاً لهذا التقييم المجتمعي، وأكثر ميلاً لتحقيق نوازع الذات الفرديّة.
كثيرون يرون في ذلك حافة الهاوية، ولكن المجتمعات لا تهوي. إنها تنحدر وتصعد حسب حيوية الحراك الثقافي وسلامة الجسد الاجتماعي من الأمراض السياسية والاقتصادية. ومراهقو مجتمعنا اليوم يشبهون إلى حد كبير مراهقي مجتمعات أخرى قبل عقود طويلة. المراهقون في أي مجتمع في العالم يحبون التسكع حول خط الأخلاق، يتجاوزه بعضهم، ويستلذ بعضهم الآخر بملامسته فقط، بينما تمنع القيود آخرين منهم من مجرد الاقتراب منه. إن العرف الاجتماعي بالنسبة للمراهق يشبه كيس الملاكمة الذي يتدرب عليه الملاكمون. ولذلك، فإن اختلاف مساحات الحرية ومعايير الأخلاق من مجتمع لآخر لم يجعل المراهقين أكثر تعقلاً أو جنوناً، فأينما رسمت خط الأخلاق أو علقت كيس الملاكمة، فهناك دائماً مراهق يتوق إلى تدريبٍ ملحّ على القفز والملاكمة.
المراهقة قصة مكررة عندما تُقرأ في كتب علم النفس، ولكنها متجددة في كتب علم الاجتماع. فمراهق اليوم هو راشد الغد بعد سنوات قليلة، وهو قائد المجتمع بعد عقدين على الأكثر. سيكولوجياً، يكرر المراهق نفس السلوك المعتاد في مصادمة العرف وتحدي القوانين للأسباب المعروفة التي تنزع إليها مرحلته العمرية واحتياجاته النفسية الجديدة تماماً عليه. ولكن سوسيولوجياً، يهمنا معرفة العرف الذي يصادمه المراهق بغض النظر عن سلوك المصادمة نفسه، والقانون الذي يكسره تحديداً دوناً عن بقية القوانين التي تحاصره. هذه الأعراف المصدومة والقوانين المكسورة تظهر بجلاء في إجازة الصيف لمن كان متفرغاً للمراقبة.
ماذا يفعل المراهقون هذه الأيام وما معنى هذا الذي يفعلونه؟ وماذا يشبه من أفعال مراهقي المجتمعات الأخرى في أزمان مختلفة؟ هل يجدون في مجتمعهم مصدر أمان ومرجعية ثقافية كافية، أم صار بالنسبة لهم مجرد آلة تقريع وتوبيخ وامتعاض لن تتوقف عن ذلك مهما فعلوا؟ بماذا يؤمنون؟ ومن الذي زرع في داخلهم مثل هذا الإيمان؟ وهل هو إيمان موجّه/ مستغلّ أم مجرد طفرات من الحماس المتفاوت لمبادئ مؤقتة؟
كل هذه الأسئلة لا توجد جهات تطرحها بالمباشرة الكافية أو تبحث عن إجاباتها بالشغف المطلوب. هذا سيؤدي بالمجتمع إلى أن يواجه على مدى العقود القادمة مفاجآت لم يتوقعها في نفسه، تماماً كمفاجأة الإرهاب غير السارة، والتي صدمت المجتمع في صميم إيمانه باعتداله ومسالمته. رغم أن الأسئلة المطروحة أعلاه كانت ستجعل الخريطة الاجتماعية أوضح بكثير إلى الحد الذي كان يمكننا معه تجنب الكارثة قبل وقوعها. المشكلة أنه حتى الآن ما زالت الأسئلة مطوية في أذهان السوسيولوجيين الذين لا يتم تفعيلهم إلا بعد فوات الأوان، بينما ما زال السيكولوجيون يتأملون المراهق من نافذة السلوك المعارض ونزعة التحدي، وليس مطلوباً منهم أكثر من ذلك على أي حال.
الذي يزيد وضع المراهقين غموضاً هو غياب المؤسسات الثقافية والجمعيات المختلفة عن خيارات المراهق تماماً. نستطيع بسهولة أن نعرف بشكل تقريبي شعبية نادي الهلال لأن لدينا نشاطاً مؤسسياً كروياً يتيح لنا تقدير عدد المشجعين والمتفاعلين مع النادي، ولكننا لا نملك نشاطاً مماثلاً يمكننا من خلاله تقدير عدد المهووسين بالسينما الغربية، والمتأثرين بالنزعة الوجودية، والميالين للإسلام السياسي، والمتعاطفين مع جرائم الشرف، والمهتمين بقضايا البيئة، والممارسين لرياضة التفحيط. كل هذه الميول الحاسمة تتحرك في رحم المجتمع دون رصد ولا متابعة، وعندما تولد ذات يوم على شكل ثورة ناعمة أو انفجار مكتوم.. سيكون المجتمع أول من يتفاجأ بما وُلد من هذا الرحم.
من إجازة الصيف يمكن أن تكون البداية سهلة. المراهقون يجتمعون على سطح الملل، ويستعرضون سلوكياتهم على العامة، وبشجاعة يحفزها فراغ الصيف وبخاسة اليوم. علماء الاجتماع بحاجة إلى تفعيل علومهم ومعارفهم فيما يتجاوز الدراسات الأكاديمية إلى العمل الاجتماعي المباشر. عليهم أن يغادروا كرسي الناقد إلى قلب الشارع، وأن يرصدوا ما فاتهم رصده، ثم يستجيبوا له بآلية عمل تتجاوز الرصد والتسجيل وأرشفة المجتمع في دراسات اجتماعية تطوى غالباً في مكتبات الجامعات، ولا توضع على طاولة المسؤول المناسب أبداً!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي