الزبون دائماً على خطأ !

 جريدة الوطن السعودية

 

سوء الخدمات الحكومية يمكن فهم أسبابه بسهولة، ولكن سوء خدمات القطاع الخاص له أسباب يختلف حولها المختلفون. فالاقتصاديون يعزون ذلك لضعف المنافسة، والمسوِّقون يعزونه إلى غياب الدافع، والاجتماعيون إلى ضعف ثقافة الاستهلاك، واليساريون إلى غياب الرادع الحكومي، والقانونيون إلى صعوبة إجراءات التقاضي، والإعلاميون إلى ضعف الكشف الإعلامي، أما التجار أنفسهم فيعزون ذلك إلى ضعف البنية التحتية والقانونية التي تساعدهم في تقديم الخدمة المطلوبة. وفي السعودية التي يتمتع مواطنوها بقدرة شرائية مرتفعة مدعومة برغبة استهلاك عالية لم يشفع لهم ذلك كله في الحصول على (خدمات) تتناسب مع المبالغ التي ينفقونها، مع أنها شفعت لهم في الحصول على (منتجات) فائقة الجودة.
المستهلك السعودي إذن يستطيع أن يحصل على أرقى (منتج) عالمي داخل حدود وطنه بسهولة بمجرد أن يبدأ في التسوق، ولكن يصعب عليه أن يحصل على (خدمة) راقية مهما أنفق على ذلك إلا إذا كان محظوظاً. فما الذي يجعل المنتجات المادية متوفرة بسهولة كسلعة قابلة للشراء، بينما لا يجعل الخدمات كذلك؟ ولماذا لم تؤثر كل الأسباب المذكورة أعلاه في جودة المنتجات مثلما أثرت في الخدمات؟ لماذا مثلاً يستطيع أي مستهلك سعودي أن يشتري بسهولة، إذا حاز المال، أفخم سيارة في العالم، ولكنه في ذات الوقت لا يستطيع، مهما أنفق من مال، أن يحصل على خدمات صيانة جيدة لنفس السيارة في بلده؟ ولماذا يستطيع أن يبني قصراً منيفاً فسيحاً بقدر ما يملك من مال ثم لا يضمن أن تنقطع خدمات الماء والكهرباء والهاتف (المخصخصة) في ثانية فيصبح قصره خرباً مهجوراً؟ ولماذا يستطيع أن يشتري أرقى ماركات الملابس الإيطالية بينما لا يستطيع أن ينتزع ابتسامةً صغيرة من بائعها؟
إن الذي يدعم هذه الأسئلة ويمنحها شرعيتها أيضاً أن أغلبية النقد الشعبي منصبّ على الخدمات، بينما الأقلية من الناس تشتكي من المنتجات. أي أن الخدمات بشكل عام هي التي استحقت الغضب الشعبي بجدارة حتى لا تكاد تجد منشأة خدمية محلية واحدة تتمتع بسمعة طيبة ومعدلات رضا شعبي مقبولة، بينما تقتصر الشكوى من المنتجات حول أسعارها وصلاحيتها وطريقة عرضها وتسويقها، وكلها (خدمات) مصاحبة للمنتج، بينما المنتج نفسه يتمتع غالباً بمواصفات عالمية عالية الجودة. ثمة سؤالان يستحقان الطرح على ضوء هذه الحال: هل الأسباب التي أدت إلى تردي مستوى الخدمات اقتصادية أم قانونية أم اجتماعية، أو ربما في أبعد التصورات: حضارية؟ والسؤال الثاني: لماذا لا تزال شركات الخدمات تحقق أرباحاً كبيرة لا تقل عن نظيراتها من شركات المنتجات رغم الاختلاف الكبير في معدلات الرضا الاستهلاكي عن كل منهما؟
تصعب الإجابة عن السؤال الأول بشكل قاطع. ذلك أنه حتى لو أجرينا مسحاً شاملاً للدول التي تتمتع بمستوى خدمات عال لوجدنا صعوبة في تحديد السبب الرئيس وراء هذا التميز، إلا أن عاملاً لا يمكن تجاهله يستحق النظر وهو أن المستهلك في تلك الدول تعوّد على مستوى من الخدمات لم يعد يقبل بأقل منه إلا بتعويض مناسب (السعر مثلاً)، وهو ما يحقق لديه معادلة القيمة التي تقنعه. وفي الحقيقة أن هذا العامل أيضاً يصعب استفهام طريقة نشوئه، وهل طرأ نتيجة لارتفاع مستوى الخدمات بشكل عام أصلاً، أو أن وجوده هو الذي أدى لتحسن مستوياتها؟ وهل هناك أثر للتناغم الاجتماعي بين أفراد المجتمع في إحداث موجات رفض أو قبول تقوم بتشكيل ثقافة خدمية عالية في الأساس؟
قد تكون هذه الثقافة بالذات، حضورها وغيابها، بمثابة إجابة وافية للسؤال الثاني. فالمستهلك الذي لا يشتمل سلوكه الاستهلاكي على ممارسات الرفض والقبول المبنيين على مستوى الخدمة المقدمة هو أفضل زبون لشركات الخدمات. فالامتعاض والتذمر مع الاستمرار في استهلاك الخدمة لا يؤثر على أرباح الشركة الخدمية، وبالتالي لا يغير كثيراً في قراراتها. ومن الملاحظ في سلوكيات الاستهلاك السعودية أن المستهلك لا يميل إلى تحمل أي (تكلفة) ما مقابل اتخاذ (موقف) استهلاكي من خدمة لا تعجبه. فهو لن يتسوّق في سوبرماركت يبعد كيلومترين إضافيين لأن السوبرماركت القريب لا يعجبه، ولن يقرر أن يحول هاتفه إلى شركة اتصالات أخرى بعد أن اعتاد على خدمات الأولى رغم تدني مستواها، ولن يتكبد سعراً أعلى ليسافر على خطوط طيران أجنبية حتى يعاقب شركة الطيران الوطنية التي لا تحترمه. الناس متفاوتون إذن في مدى استعدادهم لتحمل (التكلفة) المعنوية والمادية والجسدية من أجل اتخاذ (موقف) استهلاكي تجاه الخدمات المقدمة لهم. هذا بالتأكيد ما يؤدي إلى استمرار مقدمي الخدمات في تحقيق الأرباح، فلا فرق بين الريال الذي (يجبى) على مضض أو ذلك الذي (يجنى) برضا المستهلك. ما هي الصخرة التي يجب أن تتحرك في سبيل أن تتناسب مستويات الخدمة في السعودية مع حجم الأموال التي ينفقها المستهلك عليها؟ هل الحل المنقذ سيكون ثقافياً أم قانونياً أم اقتصادياً؟ وهل هي مسؤولية حكومية يجب أن يتم تحملها إجرائياً، أم هي من إخفاقات السوق الحر التي يصححها بنفسه كالعادة؟ من الذي يمثّل المستهلك ككيان، وهل من الأفضل أن يكون هذا الكيان حكومياً (هيئة حماية المستهلك)، أو مدنياً كالجمعيات الخاصة وخلافها؟ وفي الحالتين: ما هي السلطة الكافية لمثل هذا الكيان لإحداث التغيير المنشود في مستوى الخدمات؟ وإذا علمنا أن (الخدمات) تشكل 70% من اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية مقابل 30% فقط للمنتجات، فكم من الأجراس يجب أن تقرع حتى يشيع الوعي بأن تدني مستوى الخدمات في السعودية ليس صداعاً يومياً للمواطن فقط، بل شرخ هائل في الاقتصاد الوطني نفسه؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي