|
عندما سارت
الركبان بخبر اعتزام وزارة الثقافة والإعلام إطلاق مؤتمر الأدباء
السعوديين افتتح الشاعر عبدالله الصيخان مجموعة (عصف ذهني) على
موقع الفيسبوك الإنترنتي لجمع الرؤى والاقتراحات، فكان لابد عندها
من طرح سؤال أوليّ مهم يساعد في توجيه كل هذه الرؤى والاقتراحات
اتجاهها المناسب: ما هو الهدف من المؤتمر أولاً؟ لنفترض أن وزارة
الثقافة والإعلام تهدف من خلال هذا المؤتمر إلى أن تعيد للأدب دوره
الحقيقي في حراكنا الحضاري والاجتماعي بعد أن تحوّل إلى نشاط هامشي
وهواية عابرة (وهذا هدفٌ رائع لولا أنه لا يزال افتراضاً)، فما هي
الآليات التي يمكن أن تقود إلى تحقيق هدف كهذا؟ وما هو المنهج
المبتكر لإعادة تمكين الأدب في المجتمع (كغاية) ثقافية أساسية،
وليس (وسيلة) كما يتم تسويقه حالياً وبقناعة كبيرة من كثير من
الأدباء أنفسهم فضلاً عن المتلقين؟
إن سؤال هل الأدب غاية أم وسيلة هو الأكثر أهمية في تحديد مصير
الأدب من الحراك الحضاري، وهو الذي يستحق أن تقام لأجله مؤتمرات
تتناول الأسباب التي أدت إلى إحلاله منزلة (أداة سياسية) مثلاً بعد
أن كان صنواً للسياسة، أو (وسيلة وعظية) بعد أن كان وعاء للأديان،
أو (ملهاة اجتماعية) بعد أن كان مركز هموم المجتمع، أو (شعاراً
ثورياً) بعد أن كان هو محور الثورات الكبرى، أو (لوحة إعلانية) بعد
أن كان هو هدف الإعلان نفسه. بالتأكيد أن إعادة إحلال الأدب مكانته
السامية الأصلية تحتاج إلى علاج طبيعي طويل الأمد للجسد الحضاري
بأكمله، وهذا ما لا يمكن توقعه من مؤتمر ما، ولكن ربما لعب المؤتمر
دوراً في تركيز الضوء على هذه الحالة التي يتردى إليها، وعلى تزايد
اليقين الجمعي بكون الأدب مجرد وسيلة نبيلة لغايات أنبل، ومحاولة
انتشاله من مكانه الخفيض الذي تدحرج إليه تدريجياً وإعادته إلى
مكانه الرفيع في الحراك الإنساني والحضاري الذي أتاح له عبر
التاريخ شحن الإنسان بقيم إنسانيته ليكمل مسيرته الأبدية على
الكوكب. الأدب، ولاسيما السعودي، بحاجة ماسة إلى (تكريم) هائل يمسح
عن جبينه عقوداً من الرقابة والأدلجة والوعظية والشعاراتية
والتجميد واللهو، ومن واجب وزارة الثقافة والإعلام، أن تقدم هذا
التكريم الآن وبشكل مناسب.
ونتمنى أن تتجاوز الوزارة في تكريمها للأدب (إذا افترضنا أن ذلك من
أهدافها أولاً!) ذلك الأسلوب الكلاسيكي القديم المقتصر على التكريم
الاستعراضي، والمصافحات الباردة، والاحتفاء العشوائي، والجوائز
البلاستيكية، أو أي محاولة لتكريم (الأدب) من خلال (شخص) باعتبارها
الوسيلة الأسهل بالنسبة للمؤسسة الرسمية لتأليف القلوب وكف النقد
وحشد الأضواء، لأن اختزال الأدب في منجز شخصي يشبه أن نختزل الشمس
بأسرها في مثلث ضوئي صغير صنعته عندما تسربت أشعتها من نافذة.
تكريم المبدعين هو مجال آخر، يمكن ممارسته في سياقات أخرى يتم من
خلالها هذا التكريم كتعبير عن احترام المجتمع لفردية الإنسان،
وتقديره لجهده الذاتي، وإنجازه الشخصي. وتكريم الروّاد هو تكريم
(لتاريخ الأدب) وليس (الأدب) نفسه، وإذا لم تتمكن الوزارة من
التفريق بينهما ففي ذلك إشارات أولية لا تعدُ بمؤتمر يعول عليه.
أما إذا كان المؤتمر يهدف إلى إثراء (حالة) الأدب لدينا فحسب،
وترميم مهجوره وإحياء مواته، فما هي الآلية أيضاً؟ منذ عقود وكل
المؤتمرات والمهرجانات الأدبية ليست إلا عملية (تكثيف) للأنشطة
الأدبية في أيام متتالية بقصد أن تبدو وكأنها تظاهرة أدبية وفنية.
والحقيقة أن المؤتمر إذا بدأ ثم لم نجد فيه أكثر من مجموعة أمسيات
وورش لا تحمل (تغيراً نوعياً) فإنه لن يعدو إذن كونه سحابة موسمية
لا تلبث أن تنقشع ثم يعود الخمول إلى سيادة المناخ الأدبي العام.
إن الشاعر أو القاص أو الناقد أو المفكر عندما يتم حشدهم معاً في
سلسلة من الأمسيات والورش تحت شعار المؤتمر/المهرجان/الخ فإنهم
بذلك يتحولون إلى مجرد تروس مستغلة لتشغيل مكينة ما، لفترة مؤقتة،
لتنتج منتجاً معهوداً، يتم تسويقه موسمياً، وتنتهي الأجندة،
والسلام. والأجدر بهم أن تكون أمسية كل فرد منهم بحد ذاتها حدثاً
ومهرجاناً ومؤتمراً، لا أن تكون أمسياتهم (مجتمعة معاً!) وقوداً
لمؤتمر واحد، ومهرجان واحد، وحدث واحد.
المؤتمر الذي يُرجى منه إثراء الأدب وتحويله إلى طاقة حيوية متجددة
لا تفنى يجب أن يسعى إلى تحويل الفعل الأدبي إلى ممارسة حياتية
مستمرة تحدث يومياً وليس إلى فقرة قصيرة تحدث في موسم ما. ولا يجوز
أن تتخذ الوزارة العزوف الجماهيري عن الأنشطة الأدبية عذراً يدفعها
إلى (كبسلة) كل الأنشطة الأدبية في حبة واحدة يبتلعها المتلقي على
عجل أثناء المؤتمر، في الوقت الذي هي مطالبة فيه بتحويل الأدب إلى
مكون رئيسي في النظام الغذائي اليومي. (موسمية الأنشطة) إذن هي
ممارسة ترويجية ذات طابع استهلاكي، وليست عملية حيوية تتكرر لحظياً
وبلا توقف. إن دور المؤتمر أصلاً (إذا كان يهدف لإثراء حالة الأدب)
هو البحث عن كل وسيلة يمكنها أن تموضع الأدب في منتصف الجمهور، كما
حدث كثيراً في حضارات مختلفة، ومراحل تاريخية متكررة، مما دلَّ على
أن الإنسان (كجمهور) لا يمكن أن يتحوّر حضارياً إلى كائن عازف عن
الأدب إلى الأبد، ولكنه يمكن أن يتأثر في حضارة ما، ومجتمع ما،
بحالة من الخدر التي يسقط أثناءها الأدب من محيط أفكاره، وتتضاءل
قيمته وأثره على حياته وإنسانيته.
إن نجاح المؤتمر أوفشله مرهونٌ أولاً بتحديد الهدف وابتكار
الآليات. وإذا ما استطاعت الوزارة أن تختار أهدافاً أدبية بحتة
ونقية، لا تخفي وراءها أي أجندة حتى ولو كانت جيدة، ثم تبتكر آليات
فعالة وجديدة من عقول غير تلك التي ساهمت في إعاقة الأدب طيلة عقود
حيث ترى أنها تعينه، فعندها ربما.. ربما يولد الأمل! |