|
يضطر السائح
الأجنبي الذي يرغب في زيارة السعودية أن يلتحق إجبارياً بواحدة من
الجولات السياحية المعتمدة كشرط للحصول على التأشيرة. أما أن
(يسيح) وحده في البلد فهذا ما لا تسمح به الأنظمة. هذا الشرط
التعسفي يبعث إلى السائح الأجنبي إحدى رسالتين: إما أن السعودية لا
تثق بتجوالك حراً داخل البلد، أو أن السعودية لا تثق أن نظامها
الأمني قادر على حمايتك أثناء تجوالك الحر. في الحالتين يبدو أن
السعودية - في مشروعها السياحي الكبير - تعاني من (أزمة ثقة)!
سمو الأمير سلطان بن سلمان، رئيس الهيئة العليا للسياحة والآثار،
أشار مؤخراً إلى أنه (غير متحمس) للسياحة الأجنبية، مبرراً ذلك
بأنه من غير المعقول البدء في خدمة السائح الأجنبي قبل أن نقدم
الحد الأدنى من الخدمات للسائح السعودي. ومن وجهة نظري أنه لا يوجد
حاجة إلى إنشاء هذه التراتبية أصلاً إذ لا توجد أي فائدة من البدء
بالسائح السعودي والتدرج إلى السائح الأجنبي.
في الحقيقة، أن المستفيد الأول من تسهيل السياحة الأجنبية في
السعودية هو السائح السعودي نفسه، ويجني من ذلك فوائد عديدة منها:
(1) تدفق الأموال السياحية الأجنبية الذي سيسهم حتماً في إنعاش
المرافق السياحية الموجودة حالياً، وتشجيع رؤوس الأموال على
الاستثمار السياحي الذي سيجني عوائده أبناء الوطن في النهاية،
سواءً كانوا سياحاً أو موظفين أو مستثمرين. (2) أن توافد السائح
الأجنبي يعمِّق قناعة المواطن بالقيمة السياحية التي يقدمها وطنه
إلى حد استقطابها سياحاً من أطراف الأرض، مما سيدفعه إلى البحث عما
يبحثون. (3) أن احتكاك السائح الأجنبي مع مقدمي الخدمات السياحية
وأبناء المناطق يسهم في إثراء ثقافة الخدمة السياحية بشكل طبيعي،
وتعويد أبناء المناطق على خدمة السياح الأجانب، دون أن تحتاج هيئة
السياحة إلى إنفاق الملايين في برامج تثقيفية من هذا النوع. (4) أن
نجاح هيئة السياحة في تقديم منتجات سياحية ترقى للمستوى الذي اعتاد
عليه السائح الأجنبي هو المحكّ الرئيس الذي لا شك أن السائح
السعودي سيكون أول من يشكر هيئة السياحة عليه.
تبدو هذه الفوائد المذكورة هنا واضحة إلى حد يصعب معه التصور أنها
غابت عن ذهن القائمين على هيئة السياحة، ولاسيما أن العاملين فيها
مدججون فعلاً بخبرات ثقيلة وعقليات إدارية منتقاة بحذر ما جعل هيئة
السياحة أشبه بمركز أبحاث نشط وليس جهة حكومية. إذن، سنفترض أن عدم
حماس الهيئة للسياحة الأجنبية رغم أنها تتفق تماماً مع طموحاتها هو
إشارة واضحة إلى أن العوائق التي تضعها الجهات الحكومية الأخرى
أمام السياحة الأجنبية هائلة.. جداً.. جداً.
والحقيقة أن الهيئة العليا للسياحة والآثار، وإن بدأت (نظرياً)
تحلق خارج سرب الأداء الحكومي، إلا أنها خاضت في عمرها الصغير
معارك كبيرة مع الجهات الحكومية الأخرى التي يتقاطع عملها معها.
ويبدو أنها خرجت منتصرة في أكثرها حسب ما نراه من شواهد التقدم،
ولكنها أيضاً تبدو مثخنة بالجراح إلى حد تجنبها المتعمد (وعدم
حماسها) لخوض معركة مهمة جداً كمعركة السياحة الأجنبية، رغم ما تعد
به هذه المعركة من غنائم كثيرة للسعودية على أصعدة سياسية
واقتصادية وثقافية وحضارية.
من الجدير ملاحظته أن السائح الأجنبي الذي يهتم بزيارة السعودية،
رغم أنها ليست من المقاصد السياحية المشهورة، لاشك أنه (سائح
نوعيّ)، ويمتلك فضولاً سياحياً قيماً وثقافة سياحية عالية، وهو
بذلك يستحق أن (يُحتفى) بوجوده في السعودية، لا أن (يُربط) ببرنامج
سياحي إجباري يشبه الرحلات المدرسية. ومن ناحية أخرى، يجب ملاحظة
أن الشعب السعودي الذي يسيح في كل بلاد الأرض يستحق أيضاً أن تيسّر
له أنظمة بلاده فرصة أن (يستضيف) كما (يُستضاف). وأن يمارس كرمه
ودوره في تعريف العالم بوطنه دون أن يجد نفسه مضطراً لأن يعتذر عن
استقبال ضيوفه بأسف بعد أن ملأ أسماعهم من قبل عن السعودية الحرة
المضيافة.
والسعودية التي تستضيف سنوياً ملايين الحجاج والمعتمرين بنجاح.. لا
يُعجزها أن تستقبل بضعة آلاف من السياح الأجانب، ولا أن تتكفل
بحمايتهم وخدمتهم دون أن تضطر إلى وضع قيود مهينة على حرية
تنقلاتهم وحركتهم، أو شروط غير منطقية على تأشيراتهم. فالسياحة
الأجنبية ليست بعبعاً حضارياً وثقافياً وأمنياً كما تبدو لبعض
المسؤولين، بل إنها في الحقيقة قد تكون عاملاً مساعداً في تخفيف
الكثير من الاحتقانات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن
تمر بها المملكة في احتكاكها مع المجتمع الدولي، تماماً كما ذكر
الأمير تركي الفيصل إبان سفارته في أمريكا عندما جوبه بانتقادات
الإعلام الأمريكي للسعودية، فأجاب بابتسامة واثقة: (أعلم أنكم ترون
السعودية بلداً غامضاً، وأنا أدعوكم جميعاً لزيارة هذا البلد
الغامض!) الأمير سلطان بن سلمان ذكر بنفسه أن السعودية تتبوأ مكانة
عالمية ليس على المستوى السياسي والاقتصادي، بل الحضاري أيضاً. ومن
المهم أن تقوم هيئة السياحة بإبراز هذه المكانة الحضارية للسعودية.
وشخصياً، لا أجد أن الباصات المحشوّة بثلاثين سائحاً يابانياً وهي
تطوف بهم بين آثار العلا وحصون رجال ألمع تعدّ جهداً كافياً لإبراز
هذه المكانة الحضارية، لأن الحضارة ليست آثاراً ومرافق، بل هي مجمل
التجربة التي يمكن أن تقدمها السعودية لضيفها منذ حصوله على
التأشيرة وحتى يكتب مذكراته عن السعودية، ولا نريده أن يكتب في
مذكراته (أتينا السعودية وخرجنا منها.. في باص!) |