|
يتفق المؤرخان
الشهيران البريطاني آرنولد توينبي والأمريكي ويل ديورانت على أن
المدنية هي صنيعة الأقلية وليس الأكثرية. توينبي أسماها (الأقلية
الخلاقة)، بينما اكتفى ديورانت بتسميتها (أقلية) ولكنه وصفها فيما
بعد بأوصاف تنطبق على (النخب الاجتماعية). في الحالتين، فإن
اتفاقهما على شرط الأقلية يعني أنهما مدركان لكون المجتمع لا يتحرك
ككتلة حضارية واحدة، ولا ينضج بشكل متساو، ولا يصل إلى ذات
القناعات الحضارية في نفس الوقت، حتى ولو كانت الظروف المعرفية
مثالية جداً. هذا يعني أن قدر المجتمعات أن تنتظر تحرك أقلياتها
الخلاقة أو نخبها الاجتماعية وإلا فلن تصعد السلم الحضاري إلا
بتثاقل وبطء، وبكثير من الأخطاء، أو تعيد التهام نفسها تدريجياً
حتى تندثر.
وفي رأيي أن وصف ديورانت لهذه الأقلية بالنخب الاجتماعية هو أكثر
إحاطة وسعة من وصف توينبي لها، لأنه يشمل كل الأقليات المؤهلة
لقيادة المجتمع مع اختلاف الوسائل التي هيأت لها هذا التأهيل سواءً
كانت سياسية أو اقتصادية أو فكرية أو اجتماعية. بينما يبدو أن
توينبي بوصفه للأقلية (بالخلاقة) قد أراد حصر الأقليات المؤثرة
بتلك المؤهلة فكرياً لإحداث التأثير الاجتماعي الكبير، وذلك لكون
التأثير الفكري هو التأثير الأهم في البناء الداخلي لهذا المجتمع،
وهو الأطول مدى، والأكثر تحويراً لجذور الثقافة المسيطرة، بينما
تبدو الأقليات المسيطرة سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً قابلة
للتغير حسب الظروف، ومتقلبة بتقلب صروف الزمان، أو أنها في كل
الأحوال تحتاج في نهاية المطاف إلى مرجعية فكرية تستند عليها في
قيادة المجتمع، ولاسيما في مرحلة ما بعد التغيير.
ولكن هذا لا يعني أن النخب غير الفكرية، أو تلك التي لا تأتي على
صهوة أفكار جديدة، لا يمكنها أن تحدث تقدماً ملموساً في المجتمع.
فالنخب السياسية قادت مجتمعات سابقة لتقطع بها أشواطاً حضارية
طويلة دون أن تحدث تغيراً جذرياً في بنائها الفكري والثقافي، وأفضل
أمثلة ذلك هو تتابع ملوك الصين ونجاحاتهم المتفاوتة في تطوير الأمة
حضارياً عبر تاريخها الطويل دون إحداث تحولات محورية في تراثها،
وكذلك الأمر مع النخب الاقتصادية المتمثلة في شخصيات الاقتصاد الحر
الاعتبارية التي ساهمت في دعم المجتمع الأمريكي حضارياً، واقترحت
عليه ثقافة الرأسمال، دون أن تمسّ قيمه الأساسية التي اتحدت عليها
الولايات كالحرية والعمل والفردانية. إن هذه الأمثلة ربما دفعت
ديورانت إلى أن يشملها جميعاً في وصفه للأقليات القائدة للمجتمع
(بالنخب الاجتماعية)، مشيراً إلى أن الأهلية لقيادة المجتمع مسافات
حضارية متقدمة لا يشترط لها أن تكون فكرية فقط، بل إن كل أقلية
(نخبة) قادرة على التأثير في الأكثرية (العوام) فإنها تملك فرصة
كبيرة لتحقيق ذلك التقدم الحضاري.
الاختلاف حول ماهية الأقلية لا ينفي إجماع المؤرخَيْن معاً على أن
مصير التغيير هو مسؤولية أقلية ما تظهر في المجتمع وتمتلك رغبة
التقدم وأدواته، وأن حاجة المجتمع إلى مثل هذه النخب والأقليات
ماسة ومصيرية بما أنهم يملكون مقومات القيادة حتى ولو استمدوها من
حياة الترف، (وديورانت من أكثر المؤمنين أن الترف الاجتماعي
والتوقد الفكري توأمان من رحم واحد). بينما أن عامة الناس قد يظلون
في حالة ركود طويلة، يجترون نفس عاداتهم وتقاليدهم القديمة ولو مر
بهم ألف عام على حد تعبير ديورانت. هذه الحالة من الجمود الحضاري
هي التي يسميها توينبي بدوره (انفصام الجسد الاجتماعي schism in
the social body )، ويعني بذلك انفصاماً بين أقلية المجتمع
وأكثريته، مما يحول دون تأثير الأولى على الثانية، ومن ثم لا يمنح
الأولى دوافع كافية للإتيان بأفكار خلاقة أصلاً.
ويرى توينبي أيضاً أن الحراك الحضاري لا يتأتى إلا كنتيجة لعمليتين
أساسيتين: (1) توليد الأفكار الخلاقة من الأقلية، (2) اعتماد هذه
الأفكار من قبل الأكثرية. ومن هنا برزت تسميته لحالة الجمود
الحضاري بالانفصام، لأن هاتين العمليتين متكاملتان في طبيعتيهما،
ولا معنى لأي منهما إذا تمت بمعزل عن الأخرى، ولا تستطيع أي منهما
أن تنتج حراكاً حضارياً وحدها. أي أن تحقق واحدة من هاتين
العمليتين دون الأخرى ليس نقصاً بل انفصام، لأن التقدم الحضاري لا
يتحقق إلا بهما. كأن توجد في مجتمع ما أقلية خلاقة غير قادرة على
التأثير، أو ألا توجد، فلا تجد الأكثرية من تسير على خطاه.
الإصلاح إذن لا ينبغي أن يظل كلمةً نائمة في القاموس الاجتماعي في
انتظار أن يُجمِع الناس على إعرابها لأنهم لن يفعلوا، ذلك أن
الإصلاح فعلٌ حضاري يدفع المجتمع إلى الأمام، ولا توجد (أكثرية)
تملك سلوكاً يمكِّنها من ممارسة الإصلاح بشكل جماعي، هذا إذا ما
نظرنا لسلوك الأكثرية بمعيار سوسيولوجي. فالأكثرية أصلاً لا يمكن
أن تكون (أكثرية) لو أنها كانت خلاقة، لأن الفعل الخلاق يتنافى مع
السائد العمومي، ولا يأتي إلا كاسراً له وإلا ما كان (خلاقاً) ما
دام الجميع يمارسه ويؤمن به. في المقابل، تملك الأقلية أو النخبة
دائماً أدوات أعمق كان امتلاكها لها سبباً في أن تتحول إلى
أقلية/نخبة، والحقيقة أنه يصعب تصور مجتمع إنساني معاصر لا يملك
نخباً تملك مقومات القيادة، وأكثرية تملك استعداد التبعية، ولكن
السؤال هو: هل تملك النخبة إرادة التغيير؟ وهل تملك الأكثرية حرية
الاختيار؟ |