|
خبراء الإدارة
الأمريكيون يرددون على الدوام قانوناً شهيراً يقول ((ما يتم قياسه،
يلفت الانتباه))، وبالإنجليزية ((What gets measured gets the
attention)). ولا يوجد في تجربتنا المحلية دليلٌ أفضل على صحة هذا
القانون من الصحوة المتأخرة لجامعاتنا المحلية بعد ظهور التصنيف
الإسباني الذي وضعهم جميعاً في ذيل القائمة العالمية. فرغم أنه
تصنيف صادر من جهة مغمورة، ومعتمد في تقويمه على معايير منقوصة،
إلا أنها صنعت المعجزة، وأيقظت المارد الذي طال سباته، فتسارعت
وتيرة تطوير التعليم العالي السعودية حتى صحّ الجزم أن ما تحقق في
ثلاثة أعوام يعادل ما تم تحقيقه في ثلاثين عاماً. كل هذا لأن هذه
الجهة الإسبانية التي لم نسمع بها من قبل قدمت لنا (قياساً) فظفرت
في المقابل (بانتباه). وقبل ذلك، كانت كل التحذيرات التي أطلقها
منسوبو التعليم والمستفيدون منه طيلة عقود غير مجدية لأنها لم تكن
مقدمة على شكل (قياس) بل كانت مرفوعة على شكل (صراخ) يمكن دحضه
بسهولة، ولكن من يدحض الأرقام؟ لاسيما إذا تم تقديمها على طبق غربي
تؤمن الذهنية الجمعية العربية بدقته وموضوعيته؟
وعلى هامش هذا القانون الجميل إذن ((ما يتم قياسه، يلفت
الانتباه))، وبعد أن أثبتناه عملياً على أرض الوطن، استبشرنا
كمواطنين بتصنيف غربي جديد يضع مطاراتنا في ذيل التصنيف العالمي
للمطارات، تماماً كما كانت جامعاتنا في ذلك الذيل المعهود. ولعلنا
نتفاءل بأن النخوة التي دبّت في عروق مسؤولي التعليم لإنقاذ
تعليمنا (وكراسيهم) بعد ظهور تصنيف الجامعات سوف تدبّ أيضاً في
عروق مسؤولي المطارات بعدما ظهروا في هذا التصنيف الذيلي أيضاً.
ومثلما أن تصنيف الجامعات كان سبباً في تطويرها، فإننا نحلم
كمواطنين أن يتم التعامل مع مطاراتنا مثل جامعاتنا، ولا نستبعد
ذلك. لاسيما أن العهد إصلاحي، والإعلام عولمي، والغرب مستمر في
إصدار قوائمه المنقذة. وإذا كان الله قد قيّض للتعليم العالي ملكاً
ضاعف عدد الجامعات والبعثات وميزانياتها أضعافاً عديدة في عهد
قصير، فليس ثمة ما يمنع أن يتضاعف عدد المطارات والرحلات
وميزانياتها أيضاً في ذات العهد الميمون.
وبعد الجامعات والمطارات، نتمنى أن تشعل بعض التصنيفات الأخرى
شرارة الإصلاح بعد أن نزرعها بمهارة في الصفحات الأولى من صحفنا
المحلية أولاً لتسهم في تحريك الراكد الاجتماعي، وإحراج الجهاز
المسؤول، قبل أن ينطلق الإجراء الإصلاحي المتوخى. ولنبدأ
بالتصنيفات الأهم مثل تصنيف الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الذي
وضع السعودية في المرتبة الـ80 بين 180 دولة، وتصنيف جودة المعيشة
الذي وضع السعودية في المرتبة الـ 72 بين 111 دولة، وتصنيف
الجاهزية الإلكترونية الذي وضع السعودية في المرتبة الـ 46 بين 70
دولة، وتصنيف حرية الإعلام الذي وضع السعودية في المرتبة الـ161 من
173 دولة، وتصنيف محاربة الاحتباس الحراري الصادر عن منظمة
جيرمانواتش الذي وضع السعودية.. في المرتبة الأخيرة!
هذه التصنيفات الذيلية المبشرة بالخير مستمرة ومتجددة، فالعولمة
تحب أن تضع الدول في قوائم قابلة للمقارنة، وتصنفها في أرقام جاهزة
للتناول الإعلامي السريع. أقول إنها مبشرة وتستحق الفرح لسببين،
الأول: أنها تجيء كبديل مجاني لتخاذل المسؤولين الطويل عن قرع جرس
الخلل، وإصرارهم المعتاد على نغمة (كل شيء على ما يرام)، وتقاعسهم
عن رفع الأمور إلى مستوى القيادة خوفاً من أن يبعث ذلك إشارات
سلبية عن مستوى أدائهم وكفاءتهم. هذا يعني أن عملية (إدراك الخلل)
لم تعد عملية إدارية محصورة في أروقة الإدارة الحكومية نفسها، بل
أصبحت مفتوحة للاجتهاد العالمي الذي لا يلقي بالاً للحسابات
الصغيرة، والمنافع الشخصية، ولعبة الكراسي. السبب الثاني هو أن
التصنيفات العالمية تضعنا في قلب السباق الأساسي مع العالم،
وتحمينا من الانشغال بسباقات فرعية صغيرة تستهلك الجهد دون أن تعود
بفائدة حضارية حقيقية على الدولة. هذا يعني أن تقدمنا في التصنيفات
العالمية يعني أننا فعلاً حققنا إنجازاً فعلياً إلى حد أن معايير
عالمية تمكنت من رصده وقياسه، وليس إنجازاً مزيفاً من تلك التي
يلوكها الإعلام المحلي لمآرب مؤقتة.
وبناءً على هذين السببين يجب أن نشجع كمواطنين كل فرصة يمكن
للسعودية أن تدخل بها إلى تصنيف عالمي في أي شأن من الشؤون. فأياً
كان الرقم الذي سنحققه في هذا التصنيف فسيكون إما دافعاً لنا لمزيد
من العمل، أو جرساً مزعجاً للمسؤولين المتقاعسين عن أداء واجبهم
الوطني. ولا أجد أي غضاضة في الاعتماد على التصنيفات العالمية
لقياس أدائنا الحضاري، لأن التصنيفات العالمية هي تصنيفات محايدة،
تقيس فقط، وليست ضغوطاً موجهة لتمرير أجندات معينة في الشأن
الداخلي السعودي مثلما قد يلتبس الأمر على بعض المسؤولين، أو مثلما
يحاول بعضهم أن يشوه سمعة هذه التصنيفات، ويشكك في نياتها المبطنة،
لاسيما أنها أقضت مضجعه، ومنعته من إكمال بياته الحكومي المريح. |