|
لجأ النواب
الكويتيون الإسلامويون إلى مواد الدستور للاعتراض على سفور نائبتين
من النائبات الأربع اللواتي دخلن مجلس الأمة مؤخراً، وبدا واضحاً
أن نقاط النظام التي عبروا فيها عن اعتراضاتهم (الدستورية) قد صيغت
بشكل جيد لا يجعلهم يبدون نزاعين للتأزيم ولا متحاملين ضد المرأة.
وأعتقد أنه من حق أي نائب أن يطلب من المجلس تحكيم الدستور فيما لا
يراه دستورياً مما يحدث تحت القبة، ولكن السؤال الأهم هنا: هل كانت
حماية الدستور هي (غاية) مراد النواب الإسلامويين من اعتراضهم، أم
أن الدستور، وبالأحرى مادته الثانية تحديداً، كانت (الوسيلة)
القانونية الوحيدة لتفعيل رؤاهم الآيديولوجية الأوسع بكثير من حدود
المجلس؟
الدستور الكويتي يحيل الدولة بأكملها إلى مادة فضفاضة، ربما لم
يُنتبه عند صياغتها إلى الإشكاليات المرجعية التي يمكن أن يثيرها
تفسير هذه المادة. إلا أن هذه تحديداً هي علة شائعة في دساتير
العالم. ولم يسبق أن استغنت دولة ما، برلمانية كانت أو غير ذلك، عن
الحاجة إلى إعادة تفسير مواد الدستور من فترة لأخرى بغض النظر عن
أجندات هذا التفسير وأهدافه المرحلية. بل إن مهمة (تفسير الدستور)
هي صلب ما يقوم به أعضاء المحكمة العليا الأمريكية، وهم في ذلك
المرجع الوحيد، والدستور الحي، لما أشكل على الأمة فهمه من دستورها
العريق الذي وضعه الآباء المؤسسون.
المادة تعين على الدستور الكويتي أن يلتزم بمبادئ الشريعة
الإسلامية، وهي النقطة التي استند عليها النواب الإسلامويون في
الاعتراض على سفور النائبتين، ولكن المادة لم تحدد المذهب أو
المرجعية، ولا آلية دمج أحكام الشريعة بمواد الدستور. ولم يحدد
الدستور من هم مراجع الشريعة الإسلامية المخولين بتوضيح هذه
الأحكام للمشرعين، ولم يحدد آلية الأخذ منهم، وهل يكون ذلك
بالأغلبية أم بالإجماع. وهل يشترط أن يكونوا علماء شريعة كويتيين
أم أن الدستور سيسمح بأن يتدخل علماء دول أخرى في صياغة دستور
الكويت! كما لم يوضح الدستور أن هذه المراجع ستكون عبارة عن مجلس
رسمي من العلماء، يضم سنة وشيعة وبقية مذاهب الإسلام، أم أنه سيتم
البحث عن العلماء (المناسبين!) لكل حالة تفسير دستورية تطرأ على
مسيرة العمل التشريعي؟
تبدو العقدة واضحة جداً إلى درجة يستحيل القول إنها (سقطت سهواً)،
ولربما إنها لم تكن لتثير إشكاليات مفصلية في السابق، ولكنها ستفعل
ذلك حتماً في المستقبل، وذلك بسبب التنوع المرجعي الحضاري الذي
تتطور إليه أي دولة، ومن الواضح أن المجتمع الكويتي الذي يتمتع
بوطنية عالية جداً يتمتع أيضاً بدرجة متقدمة من التباين الطيفي
الذي يعتبره البعض شقاقاً، وهو في الحقيقة ثمرة طيبة لتطور حضاري،
وحراك ثقافي، وعدالة اجتماعية، ورفاهية عامة، تمتعت بها الكويت منذ
الستينيات الميلادية، وهاهي تجنيها الآن في حراكها الديموقراطي
المميز على مستوى الخليج.
هذه العقدة برزت في موقف آخر عندما بلغ الخلاف حول إلزامية التماهي
مع أحكام الشريعة في مواد الدستور الكويتي أن خالف بعض النواب حتى
صيغة القسم البرلماني عندما قام بعضهم بإدخال كلمتين شرطيتين على
النص وهما (في طاعة الله)، مستندين على النص الشرعي الذي يحرم طاعة
المخلوق في معصية الخالق، والذي تتيح لهم مادة الدستور الأولى
بفضفاضيتها المفرطة أن يقحموها وغيرها أنى شاؤوا، ليس في حيثيات
العمل البرلماني التشريعي فحسب، بل في جذور دورهم كنواب ممثلين
للشعب الكويتي. وخطورة ذلك تكمن في أن النائب الذي مارس القسم بهذه
الصيغة الجديدة صار يملك عشرات النوافذ التي يمكنه أن يخرج منها عن
احترام الدستور وقوانين الدولة (ماذا تبقى؟). وهذه النافذة السهلة
لا يتطلب فتحها أكثر من فتوى ما، من عالم ما، تقول إن في الدستور
وقوانين الدولة معصية للخالق، دون تحديد لأهلية هذا العالم
ومرجعيته.
نزوع النائب المعني إلى ربط القسم الدستوري بشرط لم يتم الإجماع
عليه ولا إقراره من قبل السلطات المعنية يحيلنا إلى السؤال الذي
بدأت به هذه المقالة، وبصيغة أدق: ما هي مكانة الدستور لدى النواب
الإسلامويين؟ وبالتأكيد أن طرح سؤال كهذا لا يشكك في وطنيتهم، ولكن
من الضروري أن يفصح النواب الإسلامويون (بعد أن ألمحوا كثيراً) عن
أن احترامهم للدستور الكويتي برمته هو (احترام مشروط)، وفي حالة
عدم تحقق الشرط فإنهم يملكون كل الحق في مخالفته ومخالفة قوانين
الدولة أميراً ومجلساً وحكومة.
مرجعية النواب الإسلاميين الأولى إذن هي الشريعة الإسلامية، ومن ثم
يأتي الدستور باعتباره (دليل إجرائي لأحكام الشريعة) وليس مرجعاً
مستقلاً عنها. ومن حقهم مرة أخرى، كما هو من حق أي شخص، أن يختار
المرجعية التي يعترف بها، ولكن من حق أفراد الشعب الكويتي أن يعرف
على حد اليقين مرجعية النائب الذي سيمثله في المجلس، وهل هي
الدستور الذي يحترم الشريعة، أم الشريعة التي تسخّر الدستور؟ وهل
هي الشريعة بمفهومها العام، أم باشتقاقاتها المذهبية؟ وهل الحكم
بمطابقة الدستور للشريعة يعود إلى تصور النائب نفسه أم إلى نظام
مرجعي متفق عليه بين أطياف الأمة؟ كل هذه الأسئلة لا يبدو أن
النواب الإسلامويين سيجيبون عليها بصراحة نافية للشك حتى لا تدخلهم
في حسابات وطنية تعطل واجبهم الأيديولوجي في المجلس. |