|
يظن البعض أن انقشاع غيمة
الرعاية الحكومية المباشرة عن المجتمع يعني تخلي الحكومة عن
واجباتها تجاهه، بل إن بعض مسؤولي الحكومات يظنون ظناً كهذا عندما
يضعون في تصورهم أنماطاً محدودة من الرعاية الحكومية تنحصر في
الإنفاق المباشر من دعم للسلع والخدمات ومنح للمواطنين. والرعاية
الحكومية إن صح تعريفها هي ما يستوجب على الحكومة تقديمه لزيادة
(مستوى رفاهية المجتمع على المدى البعيد)، مع الأخذ في الحسبان كل
ما تتطلبه هذه الرفاهية من تأسيس حضاري يعتمد بالتأكيد على توفر
شروط سياسية واقتصادية وقانونية أساسية، وتقدم الحكومة هذه الرعاية
من موارد الدولة التي تديرها وتنميها وتنفقها بشكل حصري أو بمشاركة
شعبية متفاوتة من بلد لآخر.
في السعودية، أنفقت الحكومة من موارد الدولة خلال العقود القليلة
التي مرت منذ تأسيسها إنفاقاً مباشراً يهدف إلى تقديم رعاية حكومية
شبه شاملة للمجتمع، وانتهينا بذلك إلى كوننا حالياً دولة طبقتها
المتوسطة هي من أكثر الطبقات المتوسطة رفاهية على مستوى العالم،
بغض النظر عن حال الطبقتين الأخريين، الغنية والفقيرة، التي ثبت
تاريخياً أنهما لازمتان من لوازم الحضارة والمجتمعات الإنسانية،
ولا يمكن التخلص منهما بشكل دائم أبداً. ومن هذه الحال المتقدمة
التي صارت إليها الطبقة المتوسطة في السعودية، يمكن القول نظرياً
إن برنامج الرعاية الحكومية في الفترة الماضية كان ناجحاً من حيث
تحقيقه للهدف العام (رفع مستوى الرفاهية)، إلا أن استمراره على ما
هو عليه من حيث مصارفه وآلياته قد يؤدي إلى الإخلال بالجزء الثاني
من رسالة الرعاية الحكومية وهو رفع مستوى الرفاهية (على المدى
البعيد).
ورفاهية الطبقة المتوسطة هي مؤشر اقتصادي جيد ويعتد به كثيراً لأنه
ينطوي على مؤشرات ضمنية عن جدوى إنتاجية هذه الطبقة. بمعنى أن
إنتاجية الطبقة المتوسطة مجدية إلى حد أنها تدر دخلاً جعلته
الرعاية الحكومية مجزياً. ومن الضروري هنا التفريق بين رفاهية
المجتمع بقياس (اقتصاديّ كميّ) وبين الشعور العام بتحقق هذه
الرفاهية بقياس (سوسيولوجي نوعي)، ذلك أن الأخيرة تعتمد على عوامل
أخرى تتجاوز العامل الاقتصادي الذي حُصر القياس حوله هنا، وإذا
نجحنا في ذلك فسنصل عبر مقارنات بسيطة مع دول أخرى إلى نتيجة أن
طبقتنا المتوسطة في دول الخليج عموماً هي (الأقل عملاً والأعلى
دخلاً) من حيث القدرة الاستهلاكية على مستوى العالم. هذا يعني أن
الموظف الحكومي الذي يحمل مؤهلاً ثانوياً وفاز بوظيفة حكومية أبدية
يعمل سبع ساعات في اليوم بإنتاجية لا تتجاوز الـ 50% في أحسن
الأحوال ومع ذلك يتحقق له دخل يمكِّنه من سكن مريح، وخادمة منزلية،
وسيارة خاصة، وطعام جيد لعائلة من خمسة أفراد على الأقل. هذه
المعادلة بين العمل/الدخل لا يمكن تطبيقها في أي بلد آخر في العالم
باستثناء دول الخليج ودول أخرى قليلة تعيش فعلاً حالة اقتصادية
خاصة. ويختلف الناس بالتأكيد حول هذه الحقيقة (اجتماعياً)، ولكن
الشاهد الاقتصادي لا يمكن الاختلاف عليه. وبعيداً عن اختلافهم
واتفاقهم، يبدو بقاء الحال على ما هو عليه أمراً صعباً. وهذه
الصعوبة لا تتعلق فقط باطراد النمو السكاني وتقلبات الأسواق
العالمية وغيرها من الأسباب الواضحة الجلية التي تم طرحها كثيراً،
بل ثمة أسباب سوسيولوجية تكمن في أن رفاهية الرعاية الحكومية
المباشرة تؤدي إلى حالة من الخدر الحضاري، وضعف روح الريادة،
وانكماش ثقافة العمل، الأمر الذي يشبه لو استمر الوالدان في تدليل
الطفل حتى بعد تجاوزه سن الطفولة، إذ تنتهي إيجابيات التدليل وتبدأ
سلبياته في الظهور لأنه ممارسة تجاوزت سياق المرحلة. وأظن أن هذه
الأعراض المذكورة للخدر الحضاري قد ظهرت على الجسد الاجتماعي
الخليجي فعلاً، إلا أنها للتو بدأت في تأخيره عن ترتيبه الحضاري
المستحق بين دول العالم، مما يعني أن شيئاً من طبيعة
الغذاء/الرعاية الحكومية التي يتناولها هذا الجسد يجب أن يتغير.
وعودة إلى المقالة السابقة التي قاربت بين المجتمع اليافع والإنسان
المراهق، يمكننا أن نسحب هذه المقاربة إلى ماهية الرعاية الحكومية
التي يحتاجها المجتمع اليافع. فالإنسان في طفولته يحتاج إلى تغذية
مباشرة من والديه، ومتى كبر ظل معتمداً عليهما في (توفير الغذاء)
وليس (التغذية المباشرة). المجتمع اليافع الآن لا يحتاج هذه
التغذية المباشرة/الإنفاق الحكومي المباشر، بل هو في حاجة ماسة إلى
الاعتناء بنفسه من خلال مؤسساته المدنية حتى يتغذى حضارياً من
خلالها، وعلى الحكومة أن (توفر) الإجراءات السياسية والتشريعية
الملائمة لقيام هذه المؤسسات دون أن (تطعمها) بنفسها بالضرورة.
على الرعاية الحكومية أن تحدث تغيرات جذرية في ماهيتها وأسلوبها
وأوجهها. إنها تنصب على مجتمع يافع، ومن سمات يفاعه أنه يرفض أن
(ترعاه) الحكومة بهذا الشكل المباشر، ويعبر عن رفضه هذا بانتقاداته
الحادة لأغلب أوجه هذا الإنفاق المباشر من صحة وتعليم وأمن وكافة
أذرع الجهاز البيروقراطي بأكمله، وهو يرفض أيضاً أن تتوقف هذه
الرعاية الحكومية تماماً، ويعبر عن رفضه هذا باستيقانه في الذهن
الاجتماعي استحقاقه المطلق لهذه الرعاية لمجرد مواطنته، وأنها واجب
لا يستحق الشكر. والحكومة التي تجيد قراءة هذين الرفضين تستنتج أن
المجتمع ما زال بحاجة للغذاء/الرعاية الحكومية، ولكنه يرفض نوعه
وآلية امتصاصه.
المجتمع الآن في عهد يفاعه، لا يريد من الحكومة أن تقدم له طبقاً
من الفاكهة، بل يريد منها أن تحول البلاد إلى مزرعة يجني منها ما
يشتهي بنفسه، وحسب رغبته ومزاجه. ويوماً ما سينضج المجتمع أكثر،
ولن يطالب بالمزرعة، بل بمجرد أرض خصبة يزرعها هو مما شاء. إنه
السعي الفطري الدؤوب لدى الفرد نحو الاستقلالية وحرية الحراك
الاجتماعي. |