|
عندما كان
الاتحاد السوفييتي على قيد الحياة، وعنفوان الشيوعية مسيطراً على
أكبر مساحة بشرية
مأهولة في العالم آنذاك، كانت الرقابة الإعلامية مشددة جداً على
الصحف والمجلات
الغربية الرأسمالية الفاسدة، سواء تلك التي تأتي من أمريكا، أو
أوروبا الغربية،
وشرق آسيا. وهي قيود متوقعة من دولة حديدية مثل الاتحاد السوفييتي،
كانت تقف وحدها
تقريباً في مواجهة بقية العالم، ولكن الغريب كان نوعية هذه
الرقابة، وما هو الممنوع
والمسموح به تحديداً حسب وجهة النظر الرقابية السوفييتية. وهذا ما
أدهش كثيراً
الأكاديمية الأمريكية، جوان جديس، التي شاركت في برنامج تبادل
أكاديمي رمزي بين
الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في بداية الثمانينات، وأثناء
الحرب الباردة،
حيث
سافرت لتقضي عدة أشهر في أحضان الدب المتوجس، لتنقطع بذلك ثقافياً
وإعلامياً
بشكل كامل عن عالمها الغربي الذي تنتمي إليه، ولذلك كانت تطلب من
أصدقائها أن
يبعثوا لها بالبريد نسخاً من الجرائد والمجلات الأمريكية حتى تظل
على اتصال بما
يجري على بقية الكوكب خارج البقعة الشيوعية الكبيرة. وهكذا تسنى
لها أن تلمس بنفسها
جانباً نوعياً من جوانب الرقابة في البلد الذي تزوره، فهذه المجلات
والجرائد كانت
تتأخر كثيراً، وعلمت فيما بعد أن السبب في تأخرها هو أنها تمر تحت
مقص الرقيب
السوفييتي الهائل، ولذلك راحت تعزي نفسها في نصف مقالات وأخبار
الجريدة، وتتمنى أن
يبقى لها القليل مما يمكنها من البقاء متواصلة مع أخبار بلادها.
إلا أنها لدهشتها،
اكتشفت أن جميع المقالات، والأخبار، والتحليلات السياسية المناوئة
للاشتراكية،
والمعادية للفكر الشيوعي، والمنتقدة للمعسكر الشرقي بضراوة، سليمة
تماماً، ولم تمس.
على
الرغم من أن صفحات أخرى كثيرة كانت مفقودة، ومقصوصة بعناية من
المجلات
والجرائد. وكأن السوفييت كانوا على ثقة كبيرة بدكتاتوريتهم
الأيديولوجية، ورسوخها
في
الذهن العام للشعب كحقيقة لا يمكن استبدالها أبداً، حتى إنهم لم
يلقوا بالاً لكل
الضجيج الثقافي الذي يحدث في نصف العالم الآخر، وكأن كل النقد
الغربي لهم لا يمكن
أن
يحرك شعرة باردة في رأس اشتراكي عابر في الشارع. فما الذي كان
الرقيب السوفييتي
يقصيه من صفحات مجلات السيدة جوان وجرائدها إذن؟
الإجابة باختصار هي: كل
الإعلانات التجارية دون استثناء. ففي الوقت الذي لم يكن المواطن
السوفييتي المتوسط
يملك أكثر من بنطالين، وقميصين، ومعطفين على مدار السنة، وهو مقتنع
أنه يقوم بتطبيق
طقوس الاشتراكية الطاهرة، فإنه لمن المدمر فعلاً لهذه الثقافة أن
يبدأ المواطن
السوفييتي في استشعار ما هو مفقود في حياته، وأن ينتبه إلى حجم
النعماء التي تعم
الكوكب، وتتجاوزه هو، وإلى الرغد الذي يرفل فيه المواطن الأوروبي
والأمريكي
والياباني من السلع، والأدوات، والكماليات، بينما يعيش هو في كفاف
مستمر، لا يزيد
أبداً، (ولا ينقص أيضاً بطبيعة القانون الاشتراكي). وليس ثمة أفضل
من الإعلانات
التجارية لتذكره بهذه النعماء المفقودة.
هذا
الفيروس الخطير، الإعلانات
التجارية، هو ما اكتشفه المختبر الإعلامي السوفييتي، وراح يعمل
جاهداً لمنعه من
اختراق الجسد الاشتراكي الذي تمّ تلحيمه مع بعضه بالقوة كما يُلحم
الحديد. ذلك أن
السوفييت كانوا يعرفون حق المعرفة، أن باستطاعة الثقافة الاشتراكية
أن تنافح عن
نفسها ضد كل الجدليات، والمقالات، والكتابات، والفلسفات الغربية
الرأسمالية، بل إن
الاشتراكية كفلسفة ما زالت قائمة حتى بعد انهيار الاتحاد، وتملك في
جعبتها أفكاراً
صحية يؤمن حاملوها أنها لم يقيّض لها بعد كيانٌ سياسيٌ خالٍ من
الأخطاء يمكنه
تبنيها بنسختها الماركسية النقية. ولكنهم، رغم إيمانهم بعقيدتهم
السياسية العتيدة،
كانوا يعلمون أنها لا تستطيع أن تعالج حالة الحسد والغبن إذا أصابت
المواطن
السوفييتي، عندما يرى ما يستمتع به الآخرون مما لا يستطيع أن
يمتلكه هو، لمجرد أنه
ولد
داخل هذه الحدود السياسية للاتحاد السوفييتي. ذلك أن الاشتراكية
مثلها مثل
الرأسمالية، كلها فلسفات إنسانية وضعها الإنسان نفسه، وبالتالي فهي
قابلة للجدل،
والمناظرة، أما حب التملك والتمتع برغد الحياة فهما فطرة إنسانية
مزروعة في صميم
الطين الإنساني منذ بدء الخليقة. وهذه، لا قِبل لأي ثقافة أن تقف
في طريقها إلا
لفترات مؤقتة في التاريخ، وهذا ما يعرفه جيداً ذلك الرقيب
السوفييتي العتيد،
المتمرس على المنع العريض، وعلى تسيير القطيع الاشتراكي الهائل لما
يقارب القرن من
الزمان.
وبهذا فقد خسرت السيدة جوان من مجلاتها وجرائدها كل الإعلانات
التجارية
بدون استثناء، مثل الأجهزة المنزلية، والوجبات السريعة، والملابس
الأنيقة،
والسيارات الفارهة، وأجهزة الكمبيوتر، والعروض السياحية، بينما
بقيت كل المقالات
المكتوبة بأقلام رأسمالية حادة، دون مساس. ولا شك أنها كانت سعيدة
الحظ وهي تتمتع
بالقراءة الإعلامية الصرفة، دون الوقوع تحت وطأة التشتيت الدعائي
الذي تتفنن فيه
صناعة التسويق العالمية.
ولكن هذه لم تكن آخر مفاجآت السيدة جوان، فعندما بدأت
عملها فعلاً داخل المجتمع الأكاديمي السوفييتي، كمثقفة أمريكية
قادمة من المعسكر
المضاد، ومغموسة في الرأسمالية غمساً، كانت تحضر نفسها للنزول تحت
المجهر الفلسفي
السوفييتي، فلا ريب أن هذا المجتمع الأكاديمي كان يستعد لتشريحها
فلسفياً بمناظرات
ساخنة، ولكن أياً من هذا لم يحدث، ولم يجد الأكاديميون السوفييت في
وجودها ما يغري
بطرح الأسئلة، والمواجهة، والمناظرة، والدخول في نقاشات أيديولوجية
ساخنة حول
أفكارها وأفكارهم، بل ظلت تعيش بينهم دون أن تلفت الانتباه، حتى
جاء ذلك اليوم الذي
أخرجت فيه من حقيبتها مجفف الشعر لتجفف شعرها ذات صباح، لتجد أن
جميع البناية قد
تحلقت حولها، لتتأمل هذا الاختراع الكمالي العجيب!
رغم
أن الاتحاد السوفييتي
كان
سباقاً لغزو الفضاء، ومتقدماً في مجالات تقنية كثيرة على الولايات
المتحدة، إلا
أن
المواطن السوفييتي العادي كان متوقعاً منه جداً أن ينبهر من آلة
صغيرة يملكها أي
مواطن غربي كجزء من ثروته التقنية من الأدوات اليومية، حسب المفهوم
السوفييتي.
وبالفعل،
كان مجفف الشعر البسيط ذاك مدار الحديث طويلاً بين سكان البناية،
وهو الذي
دفع
سيدة سوفييتية أن تهمس بسؤال خجول في أذن جوان، وهي تلتفت حولها
قلقاً من أن
يسمعها أحد: هل صحيح أيضاً أن لديكم أجهزة تغسل الثياب، وتجففها؟
هذا الموقف حدث
قريباً جداً، قبل عشرين سنة فقط، وليس في عهد غابر من عهود
البشرية، ولذلك لا يمكن
تجاهل الأثر الهائل لآليات العزل الحضاري الجبارة التي طبقها
الاتحاد السوفييتي كما
توحي به القصة، ولكن الأكثر جبروتاً منها هو الوعي الفلسفي لدى
منظري الاشتراكية
بطباع النفس البشرية، وردود الأفعال الفطرية تجاه ما تعرضه عليها
الطبيعة والحضارة
من
مؤثرات. وهو وعي كان من الممكن أن تنتفع به البشرية، ويرتفع به
مؤشر الحكمة
البشرية التراكمي، لولا أنها فلسفة تعسكرت، وتجيشت، وارتدت الوشاح
الأحمر، وانتشرت
في
الآفاق بالحديد والنار.
كان
من الضروري، حتى يستمر السوفييتي العادي في
ممارسة دوره المناط به في مجتمع يوزع الأدوار دون منح خيارات
كثيرة، أن تكون حالته
المعنوية مقبولة، وكان أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هو ألا يعرف ماذا في
العالم أصلاً حتى
لا
يستشعر الذي ينقصه من رغده. وبالتالي لم يتعرض لطرقات كافية على
باب شعوره
الإنساني لإيقاظ فطرة الحسد والغيرة الكامنة في النفوس البشرية
جميعاً. فهو لا يعرف
إلا
المصنع والمنزل، وإذا كان هذا هو العالم بالنسبة لهم، فقد حيز
إليهم، وهذا يكفل
استقرارهم المعنوي إلى الأبد.
على الطرف الآخر،
لا يمكن أن نفترض بشكل مطلق أن
المواطن الغربي كان أفضل حالاً، فلقد تعرض للأسف إلى معرفة الكثير
مما لا يمكنه
حيازته، وصار يعرف، للأسف أيضاً، أن العالم أوسع وأغنى بكثير مما
يمكن أن يبلّغه
إليه طموحه. وبما أنه افتقد نعمة الجهل الإيجابي، لزم عليه أن
يعاني من سلبيات
المعرفة إذن، ويعالج ذلك بالكثير من الحكمة إذا وجدت، حتى يتجاوز
عوارض القلق،
واللهاث، والكدح الأبدي.
|