ملامح الطبقة المتوسطة

 جريدة الوطن السعودية

 

الطبقة المتوسطة في أي بلد ليست نتاج وضعه الاقتصادي فقط، بل إنها نتاجٌ مشترك لأبوين من الوضع الاقتصادي والاجتماعي معاً، كلاهما أورث هذه الطبقة نصيبها من الجينات التي أدت إلى تشكلها وتكوُّن ملامحها وميزاتها. والمفترض في الأنظمة السياسية والقانونية أن تسهم قدر المستطاع في تحسين هذا (النسل) عن طريق إبقاء الأبوين فتيين وصحيحين قدر المستطاع حتى ينمو الطفل الأهم بين بقية الأطفال، فتياً وقوياً هو الآخر، باعتبار أنها الطبقة الأكثر إنتاجية بين الطبقتين العليا والدنيا.
المجتمع في صيغته البدائية ينزع لتجميع أفراد يمارسون ثنائية الأخذ والعطاء باستمرار حتى تتحقق أهداف الاجتماع، ولكن مع تطور أي مجتمع تختلف نسب الأخذ والعطاء هذه، ويفرز تطوره طبقةً عليا وأخرى دنيا، واللتين تشتركان في سلوك اجتماعي واحد رغم البون الاقتصادي الشاسع بينهما، وهو أن كلتيهما (تأخذ أكثر مما تعطي)، بينما تبقى الطبقة المتوسطة وحدها هي التي (تأخذ قدر ما تعطي) بشكل نسبي طبعاً، وبالتأكيد أن هذا سببٌ كاف للسعي وراء تشجيع هذه الطبقة، وتوسيع حجمها في المجتمع قدر المستطاع.
ويقترح النظامان السياسي والقانوني المثاليان أن يتم توسيع الطبقة المتوسطة على حساب الطبقة الدنيا وليس على حساب العليا، ذلك أن تحويل الطبقة الدنيا التي غالباً ما تشكل عبئاً وطنياً إلى الطبقة المتوسطة المنتجة هو أفضل ما يمكن القيام به، بينما أن تحويل الطبقة العليا إلى متوسطة غالباً ما ينتج عنه تدمير الطبقات الثلاث معاً لأنه يؤدي إلى تفكيك مقدّرات اقتصادية كبرى، وتخويف رأس المال. ليس ذلك فقط، بل إنه أيضاً يقتل الحلم الاجتماعي الذي يحيا عليه أفراد الطبقة المتوسطة أصلاً. والحقيقة أنه لا يوجد في العالم اقتصادٌ حيوي بدون طبقة عليا، ولكن بالتأكيد يوجد اقتصادات حيوية بدون طبقة دنيا، أو أنها ضئيلة حد ألا تذكر.
والمحاولات التي تحاول عكس هذا المسار (أعني توسيع الطبقة المتوسطة على حساب الطبقة العليا) حدثت من قبل ولم تسفر إلا عن نهايات اشتراكية عقيمة، جاءت بالرضا الطبقي المؤقت لجيل واحد ثم وقفت عاجزة عن إقناع الأجيال التي تليه بمثالية هذا النظام، هو الذي لم يشهد ما شهدته الأجيال التي سبقته من طبقية اقتصادية فادحة، ولم ينقم ما نقموا، وبالتالي لم يوافق تماماً على أن يتنازل عن طموح الكسب مقابل عدالة افتراضية كتلك التي تقترحها النظم الاشتراكية.
وبدون اللجوء إلى القوانين الاشتراكية وشبه الاشتراكية، لا يمكن نظرياً خفض الطبقة العليا إلى متوسطة إلا بإحداث كابوس تضخم هائل، أو نظام ضريبي معقد ينفّر المستثمرين.
والغالب أن عملية نقل الأفراد من الطبقة الدنيا إلى المتوسطة لا تتم بآلية فردية، بل عن طريق منظومة من النهضة والتنمية على أصعدة عديدة تنتج أفراداً مؤهلين للانتماء إلى هذه الطبقة المنتجة. والذي حدث في السعودية هو تسارع اقتصادي غير متوقع لم يمكن معه تخطيط هذه النهضة والتنمية بنفس الرتم، فلم يكن هناك أي آلية متاحة لنقل الطبقة الدنيا إلى المتوسطة سوى الآلية المباشرة، وهي رفع مستوى الدخل عن طريق الإنفاق الحكومي المباشر، ومن ثم الانصراف إلى خطط التنمية والنهضة التي تطرح ثمارها متأخرة. النتيجة هي أن أفراداً كثراً من الطبقة الدنيا انتقلوا إلى الطبقة المتوسطة دون أن يكتمل نضجهم الاقتصادي، ثم بقوا بعد ذلك في الطبقة المتوسطة معتمدين على استمرار الدعم الحكومي.
وبقاؤهم في هذه الطبقة ليس مشكلة بحد ذاتها، ولكن المشكلة تكمن في أن بقاءهم فيها مرهونٌ باستمرارية الدعم الحكومي، وهذا ما يجعلهم معرضين للسقوط فور تغير هيكلة الاقتصاد في أي طور من أطوار انتقالنا من دولة الرعاية الحكومية إلى دولة اقتصاد السوق.
ولكي نتصور حجم الانحراف ما بين التعريف النظري الاقتصادي/الاجتماعي للطبقة المتوسطة، وبين أفراد الطبقة المتوسطة الحالية في السعودية، فلنتخيل معاً أن موظفي الحكومة اضطروا فجأة إلى ترك مكاتبهم في الدوائر الحكومية كافة والانخراط في الوظائف التي تناسب مؤهلاتهم في القطاع الخاص، وكيف ستكون عملية الانتقال هذه مروعة لكثيرين منهم بسبب الانخفاض المتوقع لمستوياتهم مادياً وهرمياً حسب التقويم العادل من قبل السوق. ولنتخيل أيضاً أن السعودية انفتحت تماماً على الاقتصاد العالمي بدون أية قيود لحماية التاجر المحلي، وبقوانين لا تميز بين المستثمر السعودي والأجنبي، وكيف يمكن أن تنسحق الآلاف من المشاريع الصغيرة تحت وطأة الشركات العالمية العملاقة، بإدارة وكوادر ونظم أجنبية لم تخترقها السعودة، ولم تثبط من طموحاتها التوسعية أي قوانين تجارية محلية.
إذن، من المتوقع جداً أن الطبقة المتوسطة في السعودية فيما لو تعرض أفرادها لاختبار حقيقي لتقويم المؤهلات، ولاسيما الجيل الأكبر سناً منهم، لما تجاوز أكثرهم هذا الاختبار. وأنهم لا يتحملون البقاء في هذه الطبقة في حال انكشف غطاء الرعاية الحكومية عنهم، والذي يُبقي وظائفهم الحكومية مضمونة رغم انخفاض الإنتاجية، ومشروعاتهم الصغيرة مربحة رغم انخفاض الجودة.
إن الرعاية الحكومية لهذه الطبقة مطلوبة فعلاً، وهو التصرف الذي يجب أن تقوم به أي دولة تحاول بناء نظام اقتصادي واجتماعي متوازن، ولكن كيفية تطبيق هذه الرعاية هو مربط الفرس. ومن المؤكد أن الدولة لا يمكن أن تستمر في خلق وظائف حكومية بنفس معدل النمو السكاني، ولا يمكن أن تبالغ في حماية التاجر المحلي من المنافسة العالمية، لأن ذلك سيؤدي إلى عزل النظام الاقتصادي، وتقليص خيارات المستهلك.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي