الطبقة المتوسطة والطبقة الوسطية

 جريدة الوطن السعودية

 

علم الاقتصاد يطرح دائماً نظريته بأن (الطبقة المتوسطة) هي العماد الاقتصادي لأي اقتصاد حيوي في العالم. وفي رأيي أن علم الاجتماع يمكن أن يحتمل نظرية تقول إن (الطبقة الوسطية) هي العماد الاجتماعي لأي مجتمع أيضاً. التشابه بين النظريتين في علمين قريبين من بعضهما كالاقتصاد والاجتماع يشجع على مناقشة الشأن تحت ضوء الطبقات الاجتماعية في السعودية، والتيارات الفكرية السائدة فيها، ولاسيما أن التعريف العلمي للطبقة المتوسطة في الاقتصاد لا يشمل الوضع المادي فحسب بقدر ما يتجاوز ذلك إلى دراسة مجموعة القيم والسلوكيات الاجتماعية التي تجمع هذه الشريحة من المجتمع تحت مظلة واحدة، وهذا ما حرّض من قبل على طرح السؤال المهم: هل أدى تقارب مستوى الدخل لدى هذه الشريحة إلى تطوير سلوكيات عيش وقيم اجتماعية مشتركة بين أفرادها، أم إن قدراتهم وأفكارهم وأنماط تفكيرهم المتشابهة أصلاً هي التي أدت إلى تقارب حظوظهم المادية؟ إنه سؤال مطروح بإلحاح في سياق الدراسات الاقتصادية، وعندما نطرح سؤالاً مماثلاً في سياق الدراسات الاجتماعية يمكن أن نقول: هل أفراد الطبقة الوسطية اجتمعوا على وسطيتهم هذه لأنهم مهيؤون بحسب قدراتهم الثقافية والفكرية على الانتهاء إلى هذا الموقف الوسطي في النهاية مهما تلاعبت بهم أمواج التيارات، أم إن هناك قوى فكرية وثقافية معينة يمكن أن تحولهم إلى وسطيين دون اختيارهم أياً كان تعريف هذه الوسطية في منهج هذه القوى المؤثرة؟
في السعودية، باعتبارها دولة رعاية بامتياز، يبدو جلياً أن الأجيال الثلاثة التي عاشت هنا منذ تأسيس الدولة لا يشكلون عينة بحثية كافية لدراسة تطور السلوك الاجتماعي قياساً إلى التغيرات الاقتصادية. ثمة جيل عانى من الفقر المدقع، تلاه جيل (عانى) أيضاً من الثراء المفاجئ، ثم جاء جيل ثالثٌ اختلطت لديه الرؤى والسلوكيات ما بين الجيلين اللذين سبقاه، فلم يعد يدري ما هو سقف طموحه (الواقعي) من الكسب المادي، وما هو السلوك الذي يجب عليه ممارسته وتبنيه من أجل تحقيق ذلك.
وفي السعودية أيضاً، باعتبارها دولة تضع الدين في محور التضادّ التياري، يبدو جلياً أيضاً أن أي نزعة للتشدد من قبل تيار ما لن تؤدي سوى إلى (تسريع) تشكّل التيار المضاد، وخلق ظروف مواتية لتفعيل دوره الاجتماعي في إعادة التوازن إلى حركية المجتمع. ولوضع النقط على الحروف نقول إن المجتمع السعودي، في أجياله الثلاثة المشهودة، قد عاش جيله الأول في وسطيّة (نسبية) وتجانس واضح، ثم افتعل جيله الثاني حركيّة متشددة استجابة لمتطلبات الحقبة وتشعباتها الفكرية أدت إلى خلق القطبين التياريين المعاصرين الآن، ثم جاء الجيل الثالث ليرث بعد ذلك تيارين كليهما أخفق في تقديم نفسه كتيارٍ صالح لقيادة المجتمع.   إذن، الطبقة (المتوسطة) اقتصادياً، والطبقة (الوسطية) اجتماعياً، كلتاهما تعيشان بلا جذور، وفي حالة قلق عامة، وكأنهما تخلقان لأول مرة في وطن لم يسبقهما إليه أحد، ودون أن تحوز أي منهما على موروث حضاري من الحكمة والتجارب يساعدها على إكمال تقدمها الاجتماعي والاقتصادي.
اقتصادياً، لا تملك (الطبقة المتوسطة) من الجيل الحالي نماذج موروثة من جيلها السابق يمكنها أن تستخلص منها تجربة قابلة للتطبيق في هذا العصر. فالجيل الأول عاش ظروفاً اقتصادية مختلفة تماماً، وكوّن منظومة اقتصادية محدودة معتمدة على الرعي والزراعة والقليل من التجارة البدائية، والجيل الثاني صنع ثروته بسهولة (نسبية) من سلسلة من (الصدف) الاقتصادية غير قابلة للتكرار نتج عنها اقتصاد ريعي هائل. هكذا وجدت الطبقة المتوسطة من الجيل الثالث نفسها عاجزة عن أن تكون امتداداً للأجيال السابقة لاختلاف الظروف تماماً، وكذلك عاجزة عن أن تخلق لنفسها روح ريادة Entrepreneurship اقتصادية كافية للانطلاق بفردانية واستقلالية، فانتهوا إلى تبني الأسهل في ظل تمكّن مشاعر الإحباط من روحهم الريادية لعدم امتداد حظوظ (آبائهم) إليهم، متناسين أنهم نجوا من ظروف (أجدادهم). ولذلك نجد أن أغلب أفراد الطبقة المتوسطة السعودية منقسمون إلى موظفين حكوميين يتصفون غالباً بالإنتاجية المنخفضة والاتكالية العالية على رعاية الحكومة لهم في القوانين والأنظمة، أو موظفين في القطاع الخاص يتصفون غالباً بكثرة التذمر من صعوبة الصعود في هذا القطاع مع اشتداد المنافسة، أو حتى مستثمرين صغار نزعوا إلى تناسخ الأفكار التجارية من بعضهم البعض دون محاولة جادة للمخاطرة والتميز.
واجتماعياً، لا تملك (الطبقة الوسطية) من الجيل الحالي القدرة على تبني مواقفها الشخصية بنفسها دون التأثر بالدعاية الفكرية التي يبثها كلا التيارين الفكريين لجذبها. وأعني بالطبقة الوسطية هنا تلك المجموعة التي لا يبدو عليها مظاهر انتماء حركي وسلوكي واضح لأحد التيارين الفاعلين في المشهد الاجتماعي السعودي، (وإلا فالكثير من أتباع التيارين معاً يدّعون وصلاً بالوسطية والوسطية لا تقرّ لهم بذاك!). وبالتالي، وحسب هذا التعريف المحدد للطبقة الوسطية، نلاحظ هذا الضعف في مواقف هذه الطبقة وسهولة تأرجحها، ومبرر هذا الضعف يشبه مبرر الضعف الذي تمر به (الطبقة المتوسطة) اقتصادياً، وهي أنها طبقة غير قادرة على تبني مواقف الأجداد (الجيل الأول) المفرطة في بساطتها لشساعة الفارق الزمني والحضاري، وغير قادرة على تبني مواقف الآباء (الجيل الثاني) التي جاء معظمها كاستجابات متهافتة على صدمات فكرية وثقافية داهمت المجتمع على حين غضاضة منه، ولاسيما هو يرى أن مواقف جيل آبائه لم تعد عليهم بالعوائد التي كانوا يرجون، وانتهى أغلبها إلى نماذج فكرية منقوصة ومفككة لا يمكن أي يصنع منها المجتمع آلةً تعمل.
المزيد من نقاط التقاطع بين الطبقة المتوسطة والطبقة الوسطية يمكن أن يلقى الضوء عليها في دراسات اقتصادية واجتماعية مكثفة قد تمنحنا حلولاً فكرية وتنموية كبرى، وربما تتناولها مقالات قادمة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي