|
من المثير للعجب
والاستغراب فعلاً أن أعمال التخريب أو (شبه التخريب) التي يرتكبها
أفراد موالون رمزياً وحركياً للتيار الإسلاموي في الندوات والمحافل
الثقافية مؤخراً، وبتنظيم يُحسدون عليه، صارت تمر واحدة تلو أخرى
وسط صمت غريب من علماء الدين الأفاضل، لاسيما الذي يحتلون منصباً
حكومياً عالياً ومكانة رمزية كبيرة لدى التيار. رغم أن هذه الأعمال
التخريبية المنظمة قد حققت أربعة شروط يفترض أنها تستدعي أن يتدخل
علماؤنا الأفاضل في حلها، (الأول) أنها شاعت لتتجاوز مستوى الحدث
المفاجئ إلى مستوى الظاهرة المتوقعة في كل محفل ثقافي ينطوي على ما
يراه أتباع التيار مخالفة شرعية (ثانياً) أنها أعمال مصنفة حسب
أنظمة الدولة على أنها خارجة عن القانون، بدليل احتشاد رجال الأمن
في كل مناسبة تحسباً لهذه الأعمال ولمنع مرتكبيها من القيام بالأمر
الذي دبر بليل و(ثالثاً) لأنها تقتطع نصيباً كبيراً من الجدل
الاجتماعي، والتعاطي الإعلامي، مما يعني أن الناس في مجتمع متدين
كالسعودية يتطلعون إلى رأي شرعي معتد به يساعدهم في تحديد مواقفهم.
و(رابعاً) لأن غالبية مرتكبيها منتمون وموالون للتيار الإسلاموي،
ويفعلون ما يفعلون باسم الدين أولاً وأخيراً.
ولو أن هذه الشروط الأربعة أو بعضها توفر في أي قضية اجتماعية أخرى
لوجدنا عدداً من علمائنا الأفاضل يهبون لتناولها بالرأي والتعليق
والفتيا في المنابر والقنوات والحلقات كما تعودنا منهم دائماً، إلا
أن استثناءهم هذه الظاهرة بالذات لا يبدو مبرراً، فلم نجد منهم ذلك
الحضور الفعّال على الإطلاق، لاسيما من كبار العلماء، وأقصد
تحديداً هيئة كبار العلماء، أو أئمة الحرمين، أو وزير الشؤون
الإسلامية أو غيرهم. رغم أنهم جميعاً يدركون مدى تأثيرهم الرمزي
الكبير على هواة التخريب الثقافي، ويعلمون أن توجيهاً قصيراً يدلي
به أحدهم، أو فتوى صريحة، أو مقالة صحفية يُنهَى فيه هؤلاء الأفراد
عن مثل هذه الممارسات سوف يوفر على الدولة مئتي جندي انشغلوا
لساعات طويلة لحراسة ناد أدبي من جحافل المخربين.
وقد يحدث، قبل كتابة هذا المقالة وبعدها، أن يكون أحد العلماء قد
أصدر بياناً أو أدلى برأي حول هذه الظاهرة، سواء تلك التي بلغت حد
التخريب الكامل كما حدث في مسرح اليمامة قبل سنتين، أو (شبه
التخريب) كما حدث في نادي الجوف الأدبي الأسبوع الماضي، إلا أنه من
الطبيعي أن نطالب علماءنا بأدوار أكبر، قياساً إلى الشعبية الكبيرة
التي يتمتعون بها، وإلى قدرتهم على تقليص مثل هذه الظاهرة إلى حدها
الأدنى عبر سلسلة منظمة من جهود التوعية الشرعية بحرمة (تخريب) ما
وافق ولي الأمر على إقامته من أنشطة ثقافية، حتى وإن انطوت على ما
يراه التيار الإسلاموي (مخالفات شرعية)، فلا شك أن هناك وسائل
(سلمية) للاعتراض والإنكار، أفضل بكثير من التخريب والتكسير وإرهاب
الحضور.
يطل العلماء الأفاضل على شاشة التلفزيون ساعات طويلة للإفتاء،
ويقضون ساعات طويلة أيضاً في التدريس لطلبة العلم في كل أنحاء
المملكة، ولا تخلو صفحات الجرائد في الغالب من مقالاتهم وآرائهم
وتعليقاتهم على الأحداث المحلية والعالمية بشكل يومي، ويناقشون من
خلال هذه المنابر والقنوات أدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد، وكل
أبعاد الظواهر المستجدة على المجتمع، فمن غير المعقول أن تكون
ظاهرة (تخريب الأنشطة الثقافية) قد سقطت سهواً من أجندات العلماء
في برامج الإفتاء، وحلقات الدرس، ومقالات الصحف، وخطب الجمعة،
لاسيما أن تدخلهم الإيجابي في هذه الظاهرة لن يقلصها فحسب، بل يمكن
أن يوقفها تماماً، ويريح كاهل الحكومة من تحويل كل ناد أدبي إلى
ثكنة عسكرية صغيرة لحمايتها من المخربين.
ولا يخفى على علمائنا الأفاضل بالتأكيد أن عدم تعاطيهم الفعّال
والسريع مع هذه الظاهرة لا بد أن يؤدي إلى تفسيرات مختلفة، وأن
صمتهم يفتح المجال للمتخرصين والمتخندقين والمصطادين في الماء
العكر ليشككوا في النيات الكامنة وراء هذا الصمت الغريب والإغفال
المقصود لظاهرة اجتماعية سلبية، لاسيما أن مرتكبيها هم أفراد وإن
اختلفوا فكرياً ومنهجياً عن منهج علمائنا الأفاضل، فالجميع يعلم
أنهم لا يزالون واقعين تحت دائرة تأثيرهم، مما يجعل علماءنا
الأفاضل قادرين بسهولة على إصلاح منهجهم، وتقويم سلوكهم، والأخذ
على أيديهم، بشكل أسرع وأنجع مما يقدر عليه الإجراء الحكومي في
ذلك. فلماذا يتأخرون عن ذلك إذن رغم ما عرف عنهم دائماً من
المبادرة بالتصدي للظواهر الاجتماعية السيئة؟
ولكي تكون الصورة أوضح حول الأثر السلبي لهذا الصمت فمن الضروري
طرح التفسيرات المحتملة لذلك، من قائلٍ أن المقصود من هذا الصمت هو
تجنب العلماء الظهور بمظهر قيادي مؤثر في نشاطات حركية كهذه حتى لا
يتم الخلط بينهم وبين المخربين، إلى قائلٍ بأنه محاولة للحفاظ على
رمزية العالم وسط مريديه الذين، وإن اختلف رأيه عن رأيهم ومنهجه عن
منهجهم، فإنه يظل حريصاً على بقائهم أتباعاً ومريدين، الأمر الذي
قد لا يتحقق في حال نهاهم عن صنيعهم التخريبي فيلجأون إلى البحث عن
علماء آخرين يوافقونهم على ما يفعلون، إلا أن أسوأ الأقوال، والذي
نتمنى أن يأخذه علماؤنا الأفاضل خطورة وإمكانية طرحه فعلاً، هو
القول بأن الصمت.. علامة الرضا! |