مهارة استعداء السلطة

 جريدة الوطن السعودية

 

.. وكنا نظنها مجرد سلوك تياري يندرج تحت فئة (الضرب تحت الحزام)، إلا أن تطورها الأسلوبي والتكتيكي أبرز مؤخراً مستويات مختلفة من البراعة والإتقان، مما يدلّ على أن هناك من يمارسها بدقة، ويتدرب عليها بانتظام، ويجد فيها أكثر من مجرد مراوغة عابرة في الجولات الفكرية الصعبة، بل يتعدى ذلك إلى تكنيك ثابت في قوالب العمل التياري يتطلب جهوداً متتابعة لتطويره وشحذه ليستمر في تحقيق المراد منه. وبعيداً عن التنقيب وراء الجذور التاريخية لهذه المهارة القديمة/المتجددة، سيكون من الأجدى أن نناقشها تحت ضوء حضورها في معركة التيارات السعودية، لاسيما وأنها أطلت برأسها في جميع الجولات تقريباً، سواءً صراحة أو مواربة.
لطالما كان استعداء السلطة سلاحاً سرياً يؤدي إلى نتائج فعالة وحاسمة وأسرع بكثير مما تأتي به جولات الفكر البطيئة التي تتطلب وقتاً أطول من التقليب والاختمار والمراجعة في ذهنية المجتمع. ولهذا تم استخدامه مراراً وتكراراً من قبل التيار الإسلاموي في مراحل مختلفة من حراكه الاجتماعي، لاسيما في مرحلته الصحوية تحديداً، مع حضور متباين لهذا السلاح الحصري في مراحل أقرب، وبزيادة أو نقصان تقررهما الظروف السياسية للمرحلة، ونقول السياسية تحديداً على اعتبار أن السلطة المرجعية في صراعات التيارات الاجتماعية غالباً ما تكون سلطة سياسية.
اللجوء إلى السلطة من أجل تغليب تيار على تيار يبدو تصرفاً عفوياً في سلوك المختلفين، ولكن استعداءها بالتأكيد ليس عفوياً، بل هو تطور سلوكيّ في أدوات التيار الدفاعية يتطلب حداً معتداً به من التدبير والحنكة، ويشير إلى أن الصراع (في تعريف التيار له) لم يعد عابراً ومؤقتاً، بل تحول إلى صراع مصيري إلى الحد الذي لا يكفي معه (إقناع) السلطة بموقف التيار المرحلي فحسب، بل (استعداؤها) بالكامل ضد التيار الآخر وكل ما يجيء به. إنها محاولة لتثبيت السلطة كحليف استراتيجي، مع ضمان بقائها عدواً أزلياً للخصم المشترك.
التيار إذن عندما يمارس استعداء السلطة فإنه ينطلق من قناعة راسخة بأن السلطة قابلة للتأثر متى خوطبت بالأسلوب المناسب. وهذا، برأيي، خطأ جوهري، لأن السلطة ما كانت لتكون سلطةً لو لم يتوفر لها حصانة معتبرة من الانجراف بأفكار التيارات دون الرجوع إلى المعادلات السياسية للسلطة، والتي تختلف جذرياً عن معادلات التيارات كونها تتطور عمودياً للبقاء في قمرة قيادة المجتمع، وليس أفقياً لاكتساب شعبية أكبر في ثنايا المجتمع نفسه. السلطة إذن ليست تياراً ثالثاً يمكن استمالته أو استعداؤه، بل هي كائن قيادي يصوغ معادلاته بوضوح ليتيح للتيارات فرص التنافس من أجل تحقيقها، ولربما كان تحقيقها يصب في صالح المجتمع ككل. ولتمكين هذا الهدف الأخير، تسعى السلطة إلى تثبيت النظام الذي يكفل ألا يخرج الصراع التياري خارج ميدان المجتمع، ولا يطغى تيارٌ على آخر بشكل غير عادل فيفوّت إيجابيات التنافس الفكري المحتدم.
من هنا وجب التفريق بين (الاحتكام) إلى السلطة في خضم الصراع التياري، و(استعدائها) بشكل عمومي على التيار الخصم، وذلك بوصف (الاحتكام) و(الاستعداء) ممارستين منفصلتين تماماً، تبدو الأولى (تكريساً) للنظام المتفق عليه بين المختلفين في حسم الخلاف، بينما تبدو الثانية (تقويضاً) لهذا النظام بمحاولة تحويل السلطة إلى كائن غير حيادي، وإلى الأبد.
لا يمكن للسلطة أن تتدخل لحسم كل نقطة خلافية بين التيارات وإلا لكان الأمر أشبه بأن يهرع المجتمع لإجراء عملية جراحية أمام أي عارض حمى بسيط، وتدخل السلطة في قضايا الفكر والتيارات الاجتماعية هو عملية جراحية لا ينبغي الإقدام عليها إلا بعد مراجعات حكيمة ومتزنة تثبت الحاجة الماسة إلى مثل هذا التدخل. المجتمع مجبولٌ على علاج نفسه بنفسه، ويدفع الله الناس بعضهم ببعض، والتدخلات السلطوية غير الضرورية قد تضعف مناعة المجتمع أمام عوارض الاختلاف التياري، والاحتدام الفكري، وقد تؤخر من نضجه الحضاري، وتقلل من مرونته الثقافية، وتحرمه من تدريبات ضرورية لتعلم التعايش مع المختلف واحترام الرأي الآخر.
رغم كل هذا، يظل التيار الإسلاموي متمسكاً بعاداته الصحوية القديمة كاستعداء السلطة، ومصراً على إقحام هذه العملية الجراحية في كل جولة من جولات الصراع الفكري مع التيار الآخر، وهذا للأسف يشير إلى أن صحة الجسد العامة لا تعنيه بقدر ما يعنيه زوال العارض الذي يزعجه بأسرع وقت ممكن. وفي هذه الحالة فإن العارض هو أفكار التيار الآخر ومدى انتشارها. وبما أنه لا أحد يملك مبضع الجراح إلا السلطة الشرعية، تطورت (مهارات) حضّ السلطة على استخدام المبضع تدريجياً، حتى صارت علماً قائماً بذاته، وبرعت في هذا التيار طوال عقود.
التيار الإسلاموي في مرحلته الصحوية كان من أكثر التيارات ممارسة لاستعداء السلطة، وتطورت وسائل التيار في ذلك مما يدل على قناعة تيارية راسخة بفاعلية هذه الممارسة لإقصاء خصوم التيار من الميدان الاجتماعي بشكل جراحي مباشر، وكانت مخاطبة السلطة بهذه الشأن تحدث إما عن طريق المذكرات الجماعية التي ترفع إلى أولي الأمر مذيلة بسلسلة طويلة من التوقيعات والمناصب التي يرجى منها إحداث التأثير المطلوب، أو عن طريق الاحتشاد والتجمهر لدى رموز التيار لحثهم على التخاطب المباشر مع أولي الأمر حول شأن من الشؤون التي تزعج التيار وتعكر عليه صفو هيمنته الاجتماعية.
إن استعداء السلطة هو ممارسة طفولية متشنجة، ويستغرب أنها كانت تصدر من التيار الإسلاموي في مرحلته الصحوية الذي كان يفترض أنه عطفاً على عراقة حضوره في المجتمع أصاب نضجاً كافياً. والحقيقة أن هذه الممارسة قد خفتت نسبياً في السنوات الأخيرة بعد أن قلت عوائدها على التيار بسبب تهافت مضامين الاستعداء، ووضوح عدم حياده. إلا أنه ما زال يحدث حتى اليوم، بثبات المضمون وتجدد الأسلوب. والمضمون الثابت هنا هو استمرارية يقين التيار بضرورة إبقاء هذا السلاح/الممارسة قيد التفعيل، وعدم الاكتفاء بالمقارعة الفكرية المباشرة. أما الأسلوب المتغير فيبدو واضحاً من تجنب الوقوع في التكفير بعد وقوف السلطة موقفاً حازماً من المتساهلين في قضايا التكفير، فابتكر التيار تهماً جديدة تنوب عن التكفير، وتؤدي إلى نفس النتائج الاستعدائية مثل: تهمة التحريض ضد السلطة، والدعوة إلى الثورة، إلى آخر التهم المبتكرة التي يقصد بها الضرب على الوتر الأمني الحساس في حسابات السلطة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي