إخفاقات التيار الإسلاموي (مجموعة مقالات)

 جريدة الوطن السعودية(1)

 جريدة الوطن السعودية(2)

 جريدة الوطن السعودية(3)

 جريدة الوطن السعودية(4)

 جريدة الوطن السعودية(5)

 

برأيي أن واحداً من أكبر إخفاقات التيار الإسلاموي على صعيد معركته الاجتماعية مع التيارات الأخرى هو أنه انتهى إلى تحوِّل أداته الأهم في التأثير، وهي الفتوى، إلى مثار للتندر والسخرية الاجتماعية المريرة. والمتدبر في أحوال النسق الشعبي يرى بوضوح أن الفتوى، في أحسن الأحوال، خرجت من إطار (القول الفصل) ودخلت في رماديات الجدل العام. وتدخَّل العقل والهوى بشكل كبير في مسألة قبولها أو رفضها بعد أن كان ذلك خارج سلطات العقل الجمعي أصلاً. أما في أسوأ الأحوال، فقد تحوّلت الفتوى إلى مادة خصبة للإثارة الإعلامية، وكسب الجولات، وجمع المآخذ، واستفزاز الخصوم، وتأليب القوى، وتحريك الراكد. وبين الأحسن والأسوأ، يمكن أن نختصر القول بأن الفتوى لم تعد فتوى، بل تحولت إلى (بيان) تياري ذي أهداف محددة.

لنقل باللسان الشعبي إذن إن الفتوى عندما خرجت من دارها قلّ مقدارها. ولا نعني بدارها هنا أهليها وعرابيها ومصدريها ومروجيها وقدراتهم ومؤهلاتهم ومعارفهم، ولا بالموضوعات التي راحت الفتوى تتطرق إليها خارج سياقاتها المعتادة. رغم أن الكثيرين يعتقدون أن هذين السببين هما المسؤولان عن تدهور مكانة الإفتاء وضعف تأثيره وكثرة أخطائه، إلا أني أرى أن هذين الشأنين لا يمكن أن يكونا بالضرورة سببين رئيسين وراء تدهور مكانة الفتوى في المجتمع لأن الفتوى، بشكلها المبسط، هي رؤية شرعية يحقّ لكل من رأى نفسه مؤهلاً لإطلاقها أن يطلقها لتأخذ مجراها في سياقات التفنيد والتأكيد، فيذهب الزبد ويبقى ما ينفع الناس، وذلك من باب حرية التلاقح الفكري، ومنح الجميع فرصة للتدبر والمشاركة، وإحالة الجميع إلى معيار مفتوح يحدد قيمة ما صدر منهم من آراء وأفكار وفتاوى، دون حصر الإفتاء على نخب محدودة، يجيز بعضها بعضاً، مما يخلق بيئة مناسبة لتعشش الأفكار ومنعها من فرص النمو الطبيعي والتغير الحتمي.
كما يحق لكل من تصدى للإفتاء أن يسبغ رؤيته الشرعية هذه على كل مجال يراه ضرورياً دون أن يضطر إلى حصرها في مجالات محددة كما يرى أنصار العلمنة الاجتماعية. فشؤون الحياة ومجالاتها المختلفة تعمل كأجساد البشر، تقبل ما تآلف معها من أجسام خارجية وترفض ما اختلف عنها وإن بعد توعك طفيف. وحقن مجالات الدنيا برؤى شرعية ليس خطأً محضاً، وليس صواباً محضاً إذن. والمعيار هنا هو ما يتفق المجتمع المتحرر من نسقية الفكر وجمعيّة الرأي على استحسانه أو استهجانه. الفتوى ليست إلا فكرة ذات صبغة شرعية، والأفكار لا يجب قصرها على فئة من الناس أو مجال من المجالات.
ما كنت أقصده هو أن (دار) الفتوى التي خرجت منها فقلّ مقدارها، هي أهدافها ونياتها. فالحقيقة أن الداء الذي فتك برصانة الإفتاء ليس جريانه على ألسنة علماء أقل رمزية من الجيل القديم، ولا بسبب تناوله موضوعات جديدة وحديثة وغير معتادة، بل لأن الفتوى تحولت من فعل ثقافي إرشادي إلى آلية سيطرة سريعة. الفتوى التي كانت عنصراً هاماً في استراتيجية الحراك الديني أصبحت مجرد ممارسة تكتيكية لكسب جولة اجتماعية قصيرة النفس. وبما أن الجولات كثيرة، والمعركة الفكرية محتدمة، اضطر التيار إلى إفراز كمية من الفتاوى أكبر مما يمكن للمجتمع أن يستوعبه ويتمثله في سلوكه، فلم يبق أمامه إلا أن يطيع ما يسمعه من فتاوى دون تفكير أو تساؤل، أو يقف أمام فوضى الفتاوى دون حراك حتى تتضح له الرؤية. والقياس الدقيق للسلوك الاجتماعي يقول إن طائفة أكثر من الناس تهاجر من الخيار الأول إلى الخيار الثاني كل يوم، واللذين لا يقل أي منهما سلبية عن الآخر.
فقدان الفتوى فاعليتها وقدرتها على التأثير يرجع في مجمله إلى ظروف المجتمع وتحولاته الفكرية. وحتى في العصور السابقة كان للإفتاء سطوة متغيرة، تزيد كلما زاد المجتمع تجانساً واتفاقاً على المرجعيات، وتنقص كلما هبت رياح التغيير من جهات متفرقة واضطرم الجدل الفكري. الشيء الذي لا يتغير هو أنه كلما تحوّل النص المقدس من حكمة خام وحرة إلى أداة تأثير موجهة فقد الكثير من روحانيته الدينية، وتلوث بأهداف أيديولوجية. عندما يحول المفتون فتاواهم إلى أسلحة تيارية بعد أن كانت نبعاً روحياً، فإن هذه الأسلحة لا تلبث أن تنقلب عليهم سريعاً بعد أن تتحقق لهم مكاسب سلطوية قصيرة قبل أن تتحول الفتوى إلى نكتة، ويناضل بعدها العلماء ليس لإنقاذ فتاواهم السابقة من السخرية الاجتماعية بل لإنقاذ مكانتهم شخصياً من التطاول الذي لم يجربوه من قبل. ولعل هذا كان واضحاً في مشهدنا المحلي عندما تحول تعليق أحد المفتين على واحدة من فتاواه المثيرة للجدل من دفاع علمي وجدلي عن فتواه إلى مقالة طويلة في مديح الذات وتذكير الناس بمسيرته ومكانته. هذا المفتي لم يعد يهتم بسلاحه الذي سقط (فتواه)، بل بقلعته التي تصدعت (رمزيته العلمية). ولهذا لم يعد يعنيه أن يجادل فيما تبيّن له بوضوح أن الأغلبية استهجنته ورفضته وحولته إلى مقلاع عكسي للنيل من مصدرها، بل اتجه إلى ترميم ما تساقط من ذاته الاجتماعية، وإعادة تأهيلها رمزياً للعودة إلى مكانتها المستحقة، وإن استخدم من أجل ذلك آلية غير مجدية من نوع: مديح الذات المباشر.
فكرة أن تكون الفتوى مثار تندر وجدل اجتماعي ساخر هي فكرة يقاومها الكثيرون، لاسيما أنصار التيار نفسه الذين يخففون من أثر هذا المصير المحبط على أنفسهم وأتباعهم بكون الأمر لا يخرج عن مؤامرة إعلامية حاكتها (قلوب مريضة)، ويشيرون إلى أن ثلة من المستهزئين الساخرين لا يمكن أن يعول عليها ولن تؤثر في مسيرة التيار، ويستشهدون بالمأثور والمنقول من النصوص المقدسة للتلبيس على المتابع من حيث إنه حتى الأنبياء تعرضوا للسخرية والانتقاص، وهي رسالة خفية إلى المريدين بأنهم، أي مصدري الفتاوى والأنبياء، في خندق واحد، وفي ذلك تعمية تيارية كبيرة.

*   *   *   *

إلحاقاً بالمقالة السابقة، أرى أن التيار الإسلاموي أخفق أيضاً عندما تباطأ في تغيير استراتيجيته بعد أحداث العقد الأخير، وظلّ يمارس نفس آليات العمل التياريّ التي تعود عليها طيلة العقود السابقة، ولم يتغيّر منها إلا وتيرة العمل الحركي، وليس طبيعة التكتيك نفسه. وكأن تغيير الاستراتيجيات وإعادة النظر في السلوك التياري كلها شؤونٌ لا تليق بمكانة التيار الذي يكرس نفسه على أنه الثبات الذي لا يتغير، والحق الذي لا يبطل، والحقيقة التي لا بديل لها، مطمئناً إلى الزيادة النسبية في معدل المنتمين للتيار (أو التائبين!)، والمتحمسين له. ورغم أن المقياس الأخير يمكن أن يعدّ مؤشراً مقبولاً للنشاط التياري، ولكنه ليس بالضرورة مؤشرا مقبولا (للنجاح) التياري. لأن نجاح التيار يقاس بحجم مكتسباته الاجتماعية والثقافية، ومدى قدرته على النهوض بالمجتمع إلى حياة أفضل، وليس بعدد أفراده، لأننا هنا نتحدث عن (تيار) وليس (جماعة).
كما أنه أخفق أيضاً عندما استمر في النظر إلى التيارات الأخرى على أنها ظواهر اجتماعية مؤقتة يمكن قمعها بنفس الآليات التي انتشرت أعقاب حرب الخليج، والتي كانت مزيجاً من التسلط المباشر، وتأليب السلطة، والنبذ الاجتماعي، وتشويه السمعة. وهذه الممارسة كانت متوقعة منه ومن أي تيار تعود على الهيمنة الطويلة على المجتمع، والتي تؤدي إلى خلق شعور بالفوقية في سيكولوجية التيار لا يمكن علاجه بسهولة، هذه الفوقية هي التي أعاقت التيار عن فهم النسقية الحضارية الطبيعية لظهور تيارات أخرى تسائل الموجود بدورها وتعيد تقرير الواقع. فتعامل معها بنفسٍ قصير ومتوتر، ونظر إليها بوصفها طارئاً ثقافياً وليس حتماً حضارياً، وبالتالي راح يكيل لها ضربات عشوائية لا أجدها قد عادت على التيار الإسلاموي بأي نفع ملحوظ سوى بعض التأخير البسيط لمسيرة خصمه الناشئ الذي لم يكن يتوقع معركة مفتوحة يسمح فيها بالضرب تحت الحزام إلى هذا الحد، حتى بلغ الأمر تشويه السمعة وقطع الأرزاق، لاسيما أن التيار الليبرالي آنذاك لم يكن أقل توتراً هو الآخر في فوضى البدايات، غير أن معركته الابتدائية تلك تركته أقوى، وأكسبته حنكة أعلى في مقارعة خصمه الكبير.
هذه النسقية الحضارية لظهور التيارات، والتي أهملها التيار الإسلاموي تماماً في تحليله لواقع المجتمع، هي نفسها التي تفسر سلوك التيار الإسلاموي وإخفاقاته، من حيث إن التيار الأقوى الذي يقمع خصمه أكثر مما يحاوره، ويصر على آليته الدوغمائية في صناعة الولاء، فإنه سيتعرض في نهاية المطاف إلى ثنائية من التفتت الداخلي والنفور الخارجي توديان به. تماماً مثلما يحدث للقوى العظمى على الصعيد السياسي. ولا توجد كينونة ما، سواءً كانت تياراً اجتماعياً أو كياناً سياسياً، استمرت إلى الأبد دون أن تحمل في داخلها جينات متكيفة مع ظروف الحضارة، ومتصالحة مع قيم الآخر. والتاريخ يقول إن مصير التيارات أو الدول التي تفتقد ذلك النوع من الجينات الثقافية واضح وجلي، ولا شك أن التيار الإسلاموي في السعودية مطلع على تلك الشواهد التاريخية التي تثبت النظرية، بل وكثيراً ما يستشهد بها، إلا أنه يعتقد أن قداسته الميثولوجية ستستثنيه من هذا المصير، وأن خصوصيته كتيار الحقيقة المطلقة ستعفيه من قوانين التاريخ.
عدم اقتناع التيار الإسلاموي بحق التيارات الأخرى في النشوء أصلاً، وتعامله مع التيار الليبرالي بنيّات قامعة منذ البداية، هو سلوك معتاد من التيارات المكتسحة في الوسط الاجتماعي، أو الحكومات الشمولية في الوسط السياسي. وقد تكررت بنفس الآلية إلى حد التطابق في أماكن كثيرة من العالم، ومراحل مختلفة من التاريخ. هذا السلوك لا ينبثق من الطبيعة السيكولوجية للتيار السائد فقط، بل أيضاً من الطبيعة الثورية الاستفزازية للتيار الجديد الذي لم يتخلق أصلاً إلا على قاعدة من عدم الرضا. فالتيار، أي تيار، يولد ثورياً، ويموت متسلطاً. وما بين ميلاده ومماته حياة تطول وتقصر بقدر مرونته في قبول الأفكار، وتقاسم السلطة، واحترام الخصم، ومساءلة الذات. ووفق هذه المعايير الأربعة، كان من الواضح أن التيار الإسلاموي في السعودية لم يكن مرناً على الإطلاق، فلا هو الذي قبل الأفكار الجديدة، ولا اقتسم سلطاته الاجتماعية مع التيار الجديد، ولم يقدم له أي احترام. ثم انشغل في (جهاده) الاجتماعي ضده عن مساءلة ذاته وإعادة ترتيب بيته.
والتيار الليبرالي الذي ولد في حقبة يهيمن عليها التيار الإسلاموي لم يكن في جعبته آنذاك أكثر من حزمة احتجاجات تبلورت تدريجياً إلى منظومة أفكار ليبرالية عندما كانت الليبرالية هي الوعاء الوحيد الذي يمكن أن يتسع لأي احتجاج. والحقيقة، أن هذه هي ظروف ولادة الليبرالية تاريخياً، فهي دائماً تأتي كردة فعل شعبية على التيارات الدوغمائية. ولهذا لم يبد المشهد في بدايته على أنه صراع تيارات بقدر ما بدا وكأنه تمرد أقلية ثقافية على تيار الإجماع الشعبي، مما قلل من احتمالية وقوع حوار بين التيارين قد يقود إلى (تبادل الأفكار) ومن ثم إلى (تقاسم النفود) و (تبادل الاحترام) و(مساءلة الذات). التي هي، برأيي، الأركان الأربعة لأي صراع تياري فعال ومفيد للمجتمع.
لم يقبل التيار الإسلاموي أفكار التيار الليبرالي الناشئ لأن آلية القبول لدى التيار الإسلاموي صعبة، ومعقدة، ومغلقة بقفل ميثيولوجي ضخم، ولم يقبل التيار الليبرالي أفكار التيار الإسلاموي لأن ذلك يتعارض مع نزق بداياته، وهوسه بشرط المساواة الذي لم يحترمه التيار الإسلاموي، والعدالة التي لم تحققها السلطة التنفيذية حسب رؤية التيار، والحرية التي بدت حلماً اجتماعياً مستحيلاً آنذاك. ولم يقبل التيار الإسلاموي تقاسم السلطة مع التيار الليبرالي الناشئ لأن تباين الحجمين والمكانتين كانت تجعل من اقتسام السلطة آنذاك تنازلاً غير مبرر عند طرف، وحلماً غير ممكن عند طرف آخر. هذا التباين الكبير في مستوى الهيمنة الاجتماعية جعل من الطبيعي أن يتجه الطرف الأول إلى خيار القمع، والثاني إلى خيار الكفاح. لم يحترم التيار الإسلاموي التيار الليبرالي الناشئ لأن أي بادرة احترام له تخدش بقوة مركزه الأيديولوجي المتضخم آنذاك بسبب الأحداث السياسية.

*   *    *    *

أخفق التيار الإسلاموي أيضاً عندما استيقن في داخله أنه يأتي من خارج لعبة التيارات تماماً، وبالتالي نصب نفسه حكماً للاعبين فيها، ووصياً على المتفرجين عليها. وهذا ما أفقده الكثير من المران التياري الذي كان ليساعده على تطوير أدوات التيار وحركيته وأدائه الاجتماعي والثقافي. والمتتبع لسلوك التيار الإسلاموي وأفراده يرى أن مداخلته في اللعبة التيارية لا تأتي عادةً بصيغة البيان المعبر عن رأي التيار والمتمثل لرسالته، بقدر ما تأتي بصيغة القول الفصل الذي يحسم خلاف الناس وحيرة المجتمع. وبالتالي فهو ليس أحد المتخاصمين بل الحكم. ورأيه ليس أحد الآراء بل الفيصل. وذلك الخلط السياسي/الاجتماعي في فهم التيار لذاته يأتي دائماً جراء لوثة سلطوية اعتاد عليها منذ نشأته، ولأسباب تاريخية معروفة.
الاختلاف في عرف التيار الإسلاموي هو (ممارسة) داخلية يمكن فقط أن تحدث داخل التيار، وبين رموزه والمنتمين إليه، وفي تفاصيل صغيرة وغير جوهرية. أما الاختلاف مع التيارات الأخرى فهو شأن لا يمكن ممارسته (أو الاعتراف بممارسته بنديّة)، كونه ينقص من أهلية التيار المعنوية عندما يقف خصماً مع الخصماء، وهو الحاكم المطلق المهيمن على المجتمع حسب رؤيته لنفسه. وعندما يجد التيار الإسلاموي نفسه مضطراً، إعلامياً أو قانونياً أو سياسياً، إلى الوقوف سوياً مع خصمه، ويحرم مؤقتاً من الجلوس على كرسي القاضي، يتحول خطابه إلى خطاب متوتر وغاضب ومائل إلى الاستخفاف بمجريات المحاكمة وحيثياتها. لاحظنا ذلك في مواقف عديدة تثبت أن التيار الإسلاموي لا يزال متشبثاً بحقه الحصري في الوصاية على المجتمع حتى إنه يعد أي فرصة للاختلاف والحوار مع الآخرين مدخلاً للتنازل عن شيء من هذه الوصاية الموروثة لهم.
ولهذا كان الحوار الوطني مثلاً لقمةً مريبة وصعبة البلع على التيار الإسلاموي بقدر ما كان مصدراً للتفاؤل والغبطة لدى التيار الليبرالي. يدلّ على ذلك ضعف التمثيل الرمزي للتيار الإسلاموي في جلسات الحوار، رغم أن مداخلاتهم فيها تحوّلت إلى صيغ مناظرة، وفرص دعوية، ومنابر خطابية، وهو نفس الآليات التي تعوّد عليها التيار الإسلاموي ولم يجد ما يطرحه غيرها على طاولة الحوار الوطني الجديدة على عمله التياري تماماًً، والتي يجلس عليها مرغماً حتى يقطع الطريق أمام التيار الآخر في الانفراد بهذه المساحة الوطنية الواسعة وحده: الحوار الوطني.
ولهذا أيضاً لا يتصالح التيار الإسلاموي مع الصحافة والإعلام باستثناء تلك القنوات والصحف المتفرعة من التيار أصلاً، وذلك لأن الفعل الإعلامي نفسه يقوم على مقابلة الخصماء والأنداد ليخلق الحدث، وهذا ما يرفضه التيار الإسلاموي، ويعلق على المنتج الإعلامي عادة بفوقية مصطنعة ليثبت أنه ليس هنا، على ورق الصحيفة أو أثير الإذاعة أو بث التلفزيون، ليدافع عن نفسه أو يقارع خصمه أو يواجهه بنديّة، بل ليهدي الضالّ ويدفع الشبهات ويوبّخ المخطئ فقط.
كل هذه الحالات التي يضطر التيار الإسلاموي للوقوف متساوياً مع منافسيه من التيارات الأخرى يمكن فيها بسهولة استقراء الروح المعنوية للتيار في تلك الظروف التي يراها التيار الإسلاموي مهينة، وغير شرعية ولا عادلة لأنها تساوي بين تيار الحق، وتيار الضلال، ويلوم على هذا الوضع المائل مؤامرات الداخل والخارج، وخبث الأعداء وضلال البطانات، إلا أنه يستمر في الصراع أياً كان الميدان، ويستميت في ذلك حتى تتقيّض له عودة ما إلى الوضع السابق الذي لم يكن فيه مضطراً للجلوس خصماً، وعندها يُخرج الأعز منها الأذل.
التيار الإسلاموي إذن مصاب بمشكلة بنيوية، وهي أنه لا يقر بأنه (تيار)، ويصر على أنه كينونة اجتماعية أكبر بكثير من ذلك، بل وسياسية أحياناً. والمشكلة أن هذه النظرة المتضخمة للذات التيارية لا تختلف كثيراً عند رموز التيار وأتباعه، فالتيار ينظر إلى المجتمع على أنه معادلة خطية ذات متغير واحد، كلما اقترب معاملها من مركز التيار ازداد صلاحاً، وكلما ابتعد ازداد ضلالاً. ومهمة التيار تكمن في التحكم في هذا المتغير الاجتماعي لمنعه من (الانحراف) عن مركز التيار. بينما التيار المقابل، وإن أخطأ في ممارسة ذلك سلوكياً، فإن منهجه متمحور بشكل كامل حول تعددية المتغيرات وحريتها في التموضع حول مراكز مختلفة.
وعندما ينتقد التيار الإسلاموي التيارات الأخرى (أو يشتمها في الحقيقة!)، فإنه يركز على نقاط غير جوهرية من حيث إنها (دخيلة)، (مصادمة للمجتمع)، (مفروضة فرضاً). وهذا يدل على أن التيار الإسلاموي مقتنعٌ تماماً أنه (هو المجتمع) وليس على أنه جزء من المجتمع. وأن كل ما خالفه من تيارات هو مصادم للمجتمع بالكلية، وليس للجزء الإسلاموي منه فحسب. وهنا نلاحظ أن التيار الإسلاموي متمسكٌ جداً بمفهوم الأكثرية حد الاعتداد بها حجة أمام خصمه. فكون غالبية المجتمع ترفض ما يراه التيار الليبرالي حقاً من حقوق الفرد تحوّل التيار الإسلاموي إلى المحامي الوحيد عن المجتمع، متمسكاً بهذه المرافعة المتكررة: كل المجتمع يرفض ما تدعون إليه أيها الليبراليون.
ولكن التيار الإسلاموي يتجاهل هنا عمداً كون الأكثرية والأقلية تعدّ أولاً: مسألتين نسبيتين ومتغيرتين مع الزمن، وثانياً: هامشيتين عندما تتعلق الأمور بالحقوق الاجتماعية والأفكار. فالتيار الإسلاموي نفسه لن يغير من موقفه تجاه أفكار التيار الليبرالي حتى لو انقلبت أكثرية المجتمع مثلاً إلى الليبرالية صدفة. بل إنه لن يغير مواقفه عندما يمتد، كتيار، إلى بلدان إسلامية أخرى ذات أغلبية ليبرالية منفتحة. ذلك لأن ثوابت التيار الإسلاموي وليست سوسيولوجية متغيرة. هذا يدل على أن التيار الإسلاموي يستخدم تهمة (مصادمة عادات الأكثرية في المجتمع) بشكل تكتيكي لإسقاط التيار الليبرالي مبكراً فقط، رغم أنها تهمة لا يمكن أن تصمد أمام مراجعات فلسفية دياليكتيكية معتبرة.
أكثرية المجتمع وأقليته في الحقيقة لا تغير كثيراً في التيار الإسلاموي لأنه هو الذي يحدد (ماهية المجتمع) الشرعية والأخلاقية، والتي هي بالضرورة امتدادٌ لطوباوية التيار المتعسرة. المجتمع إذن في تعريف التيار الإسلاموي هو (ما يجب أن يكون عليه الناس)، وليس (ما هم عليه فعلاً)، نافياً كل حالات الواقع بما فيها كينونة التيارات الأخرى، وخيارات الناس المخالفة، وتعددية الرأي خارج حدود التيار. التيار الإسلاموي يعِّرف المجتمع إذن كناتج نهائي لجهود تيارية مقدسة يجب القيام بها، بينما التيار الليبرالي على سبيل المثال يعرف المجتمع على أنه واقع حالي لمكتسبات إنسانية وحضارية حرة. والفرق بين التعريفين، رغم اتساعه الكبير، يكمن في أن التيار الإسلاموي ينظر للمجتمع على أنه مسؤول وحده عن صناعته وحمايته، بينما الليبرالي ينظر إليه على أنه مسؤول عن حدود ذاته الليبرالية في داخله، وعن مساحة مشاركته وفق طموحه في تأهيله حضارياً وفكرياً. وعندما يختلف التياران في قضايا صارت رمزية مثل قيادة المرأة للسيارة، أو دور السينما، يتضح بجلاء هذا الفرق. فالتيار الإسلاموي ينادي بمنع ذلك وتلك بغض النظر عن رغبة الفرد، مستنداً إلى صلاحيات مقدسة ممنوحة للتيار من السماء. بينما التيار الليبرالي ينادي بالسماح لمن أراد فقط دون فرض ذلك. هذا يعني أن التيار الإسلاموي يسعى إلى (تشكيل) المجتمع بالكلية، بينما يسعى الليبرالي إلى (تفعيل) أفكاره في داخله دون أن يحرم ذلك الآخرين من تفعيل أفكارهم.

*   *   *   *

ومن إخفاقات التيار الإسلاموي أيضاً الرهان المستمر على الثبات، وإنكار المتغير. ولعل الثبات الذي تمسك به التيار عقوداً طويلة هو الذي أسهم في تثبيت دعائمه وتقوية جذوره واكتمال بنائه الداخلي، إلا أن التيارات ليست كيانات منفصلة عن المجتمع حتى يكفيها اكتمال بنيانها الداخلي لتستمر دون أن تُعنى بمدى اتساقها الزمني والثقافي مع بنيان المجتمع نفسه. لأن المجتمعات هي التي تسيّر تياراتها وليس العكس، هذا يعني أن الثبات والتأصيل والماضوية كلها كانت عوامل مفيدة للتيار الإسلاموي عندما كان المجتمع محتاجاً إليها وهو في مرحلة تخلقه الأولى كمجتمع جديد يدب على وجه الحضارة منذ ثمانين سنة ولا أكثر، وفي حاجة ماسة إلى أن يربط نفسه بتاريخٍ ما يوفر عليه الكثير من تخبط البدايات. أما وقد أرسى المجتمع قواعده، وأصبح أكثر ثقة في الحضور على مستوى العالم، فقد انتفت حاجته السابقة إلى التأصيل (أو أصبحت أقل ضرورة)، واستبدلها بحاجة متزايدة لتغيير بُنى أساسية في تركيبه تسهل عليه حراكه التكاملي مع مجتمعات العالم التي صارت أكثر قرباً. هذا يعني أن المجتمع الآن يراهن، ليس على التيار ذي البنيان الأكثر اكتمالاً والأعرق حضوراً، بل على ذلك الذي يحقق له حاجاته المعاصرة من التواصل والتجديد والتعايش، أياً كان هذا التيار. إذن، المجتمع هو الذي منح التيار الإسلاموي فرصته للانتشار عندما كان حراكه آنذاك محققاً لحاجاته المرحلية، وهو نفسه الذي يمكن أن يدير له ظهره إذ أخفق التيار الإسلاموي فيه التنبؤ (أو الاعتراف!) بالحاجات المرحلية للمجتمع في هذا الزمن.
والتيار الإسلاموي يفند دائماً إمكانية استغناء المجتمع عن ماضويته وأصوله، وينذر بويلات من التفكك والانهيار الحضاري في حال تزحزح المجتمع عما كان عليه الآباء والأجداد. والحقيقة أن هذا الزعم يستحق كثيراً من الاحترام ولكنه ليس حقيقة مطلقة بعد. فالمجتمعات تتطلب الاستقرار لكي تنمو، ولكنها تتطلب التغيير لكي تتطور. كون الاستقرار والتطور معاً هما ركائز البقاء الحضاري. ما يوصي به التيار الإسلاموي هو اتخاذ الماضوية والتأصيل والثبات طرائق (حصرية) إلى الاستقرار، مع تجاهل التطور باعتباره فعلاً مستقبلياً لا حاجة إليه ما دام الماضي هو دائماً خير وأغنى من المستقبل. ثمة إجماع بين الأطراف المتجادلة على أن الاستقرار فعلاً من ركائز تنمية المجتمع، ولكن الثبات الذي يقترحه التيار الإسلاموي ليس الطريق الأفضل لبلوغه في هذا العصر، بل المرونة في استقبال المتغيرات واحتضانها بإيجابية. إن مقاومة الزلازل لم تعد تحدث بتقوية أساسات المبنى بأطنان من الأسمنت المصمت بل بإقامته على دعائم لولبية مرنة تتحرك يمنة ويسرة وتمتص الهزات الزلزالية في صميمها.
وثمة إجماع أيضاً بين الأطراف المتجادلة على حاجة المجتمع المستمرة للتطور، ولكن تعريف التطور وهامشه متباينان لدى التيارات. فالتيار الإسلاموي يقترح دائماً التطور دون المساس بالأصل، ويقدم دائماً أدوات ماضوية لتحليل المستقبل. أي أنه في نهاية المطاف (يطور) كل ما يبقيه (ثابتاً)! هامش تطور المجتمع الذي يسمح به التيار الإسلاموي محدود جداً، ومقصور على شؤون مادية (التكنولوجيا... إلخ)، والقليل جداً من الشؤون الفكرية والثقافية والفنية والروحية والفلسفية التي يرى التيار الإسلاموي أنه يملك اكتفاء ذاتياً منها يغنيه عن كل ما أنتجته الأمم الأخرى. وكثيراً ما يقدم التيار الإسلاموي انفتاحه على التطور المادي والتكنولوجي وقبوله له دليلاً ضخماً يدحض به تهم الجمود التي يُرمى بها من حين لآخر، والحقيقة أن المترافعين عن التيار الإسلاموي بحاجة إلى مراجعة هذا الدليل، ومقارنة عدد مجالات التطور المقبولة والمرفوضة قبل أن يعدوا مرافعاتهم عن الانفتاح.
حتى عندما يسعى التيار الإسلاموي لضرب الأمثلة التاريخية على المجتمعات التي تمسكت بالتراث ونجحت تنموياً وحضارياً نلاحظ نقصاً في الإلمام بحجم التغيرات الحقيقية التي حدثت في تلك المجتمعات. فاليابان مثلاً، المثال التاريخي المفضل في طروحات التيار الإسلاموي المتقدمة، تطرح على أنها الأمة التي لم يعقها حفاظها على تراثها من التقدم في حضارتها. ورغم أن اختيار اليابان يبدو وكأنه محاولة لتجنب اختيار الدول الغربية التي يعاني التيار الإسلاموي من احتقانات آيديولوجية معها، إلا أنه جاء مختزلاً للكثير من تجربة اليابان التي، في الحقيقة، انفتحت على التغيير بشكل واسع جداً يمكن قياسه بسهولة في أية دراسة سوسيولوجية بسيطة للمجتمع الياباني وتحولاته بين العهدين الإمبريالي والديموقراطي. ولو أنا اقترحنا تغييراً بحجمه (وليس ماهيته) على مجتمعاتنا لكان التيار الإسلاموي أول المعترضين والمقاومين له.
من الصعوبة إقناع التيار الإسلاموي بأن المجتمع لا يمكن أن ينهض نهضة شاملة وحقيقية وذات ديمومة معتبرة دون أن يفتح المجال أمام مساءلات الذات والهوية والأصول، وليس بالضرورة تغيير كل ما سبق، وليس بالضرورة أيضاً إبقاؤه كما هو. ذلك لأن النموذج الذي يقدمه التيار الإسلاموي عن النهضة الاجتماعية مختلف جذرياً وزمنياً عن نماذج التيارات الأخرى، والجميع يراهن على أنه لو أعطي الفرصة لتحقيق جميع أجنداته التيارية بسلطة مطلقة لأثبت نجاح تياره في النهوض بالمجتمع وتحقيق أحلامه، ولكنها تجربة مكلفة جداً، وطويلة المدى، ولا يمكن المخاطرة بها، ولذلك ينحصر الجدل في دائرة التجارب الأخرى التي يختزلها كل تيار ليثبت أهليته.

*   *   *   *

ومن إخفاقات التيار الإسلاموي أيضاً تذبذب مفهوم السلطة في نظريات التيار وسلوكه. فتارة يغلب على التيار نبرة صحوية تفترض أن الأمر كله له، وتارة يغلب عليه نبرة سلفية تميل إلى نظرية الفاضل والمفضول في الحكم، وبين النبرتين الحدّيتين أتباع كثر يحاولون دوزنة مواقعهم الاجتماعية على وقعيهما، فنرى الإسلامويّ الحركيّ الذي أناط بنفسه مسؤوليات اجتماعية قيادية مختلفة الحجم والتأثير، ونرى الإسلامويّ المنفرد (وليس الفردانيّ بالضرورة) الذي يركزّ إسلامويته على نشاطات فردية وتعبدية ذاتية، تلك النبرات المختلفة في خطاب التيار توضح أن ثمة أجنحة في طور التشكل، ويبدو أنها تشكلت فعلاً وتدلّ عليها الخلافات المنهجية والنظرية بين رموز التيار، والتي يسميها أتباعه (فتنة)، بينما هي تطور انقسامي طبيعي للتيار، مثلما أن كل شيء في الحياة يتطور بالانقسام.

وربما صحّ القول بأن الإناء بما فيه ينضح، وأن الأمر كله في النهاية سلوك شخصي يتخذ اللبوس التياري الإسلاموي، وليس من تأثير التيار وثقافته نفسها. أو بمعنى آخر أن التيار الإسلاموي لا يؤثر في تشكيل شخصية الفرد فيما يتعلق بحركيّته أو انفراديته، ولا يغير الكثير من قناعاته حول حجم (أناه) الذاتية، ودوره الاجتماعي المفترض. ولكن المتأمل في ثقافة التيار يجد أنها تخلق دوافع معنوية كبيرة للتدخل المباشر في القيادة الاجتماعية، بل وتضع آليات واضحة لكيفية توسيع دائرة التأثير الاجتماعي للفرد الإسلاموي. هذه الآليات، بمسمياتها التيارية الشائعة (إنكار المنكر، الأمر بالمعروف، تقديم النصيحة،... إلخ) كلها آليات ذات جذور عريقة وأصيلة في ثقافة التيار، بل إنها تكاد تكون محورية في كل شؤونه كتيار، وإلا فإنه من دونها مجرد أنظمة وشعائر تعبدية. حيث لا يمكن أن يكون هناك تيار بدون آليات عمل للتأثير الاجتماعي، بكل درجات هذا التأثير من الاستمالة الهادئة إلى التحكم المطلق.
وفي الحقيقة أنه لا يوجد تيار آخر يمنح أفراده صلاحية ممارسة هذه الآليات فور انضمامهم الاجتماعي والشكلي للتيار أكثر من التيار الإسلاموي. فبمجرد أن يعلن الفرد (التزامه!) يصبح مخولاً بإنكار المنكر، وتوجيه النصح، وتقريع المخالف، وتوجيه الضالّ، ومقاطعة العاصي، بغض النظر عن عمره وعلمه وسلطته. ولربما كانت هذه الصلاحيات السريعة من عوامل الجذب المغرية معنوياً واجتماعياً، والتي أدت، بالإضافة إلى عوامل أخرى بالتأكيد، إلى الانتشار السريع للتيار. ولربما كانت أيضاً من أكثر المداخل الانتقادية على التيار نفسه من حيث إن أغلب ما يلحق التيار من نقد اجتماعي يؤدي تدريجياً إلى نفور شعبي بطيء هو من أخطاء تصدر من قاعدة الهرم التياري وأذرعه الشعبية، الذين سلمهم التيار، ثقافياً، زمام سلطات اجتماعية صغيرة دون تأهيل كاف.
السلطة الاجتماعية إذن، باختلاف درجاتها، هي من الموضوعات التي تبدو محسومة في ثقافة التيار كحق ثابت، أما السلطة السياسية فما زالت موضوعاً جدلياً حتى داخل التيار ما بين طرف حدي متشبث بالسلطة السياسية حد الخروج على القانون إلى طرف حدي آخر يحرم الدخول في المسألة السياسية. وبين الطرفين أيضاً درجات متفاوتة من العمل السياسي قد يكون أكثر مظاهره وضوحاً ورواجاً قصد رموز التيار في (النوائب السياسية!) إلى حد التجمهر أحياناً لحثهم على اتخاذ موقف سياسي معين. هذا الموقف الجماعي الحركي يدلّ على قناعات شائعة لدى التيار بأنهم يملكون حقاً ما، باختلاف حجمه، في الشأن السياسي. والخلاف يكمن في كيفية تفعيل هذا الحق، وانتخاب الرمز التياري الأنسب لتفعيله. وهو ليس حقاً (ديموقراطياً) لأن التيار يفنده تماماً عندما يتعلق الأمر بالتيارات الأخرى، بل حقٌ حصري على التيار الإسلاموي فقط.
كل هذا وذاك يجعل من عدم وضوح مفهوم السلطة لدى التيار واحداً من إخفاقاته. والظاهر أن التيار لم يحرص على تقنين هذه السلطة وتحديدها، بل تركها مفتوحة على الظروف الاجتماعية والسياسية، لتتوسع عندما تكون ملائمة، وتتراجع عندما يتطلب الأمر. ولكن هذا أدى إلى سلبيات عديدة لربما أضرت التيار، أولها التباين الذي بدا واضحاً للجميع في مستوى صلاحيات التيار السلطوية، والذي يمكن ملاحظته بسهولة من سنة لأخرى، وثانيها تحويل التيار وأفراده إلى آلة عمل اجتماعي ضخمة مهمومة بالمسؤوليات السلطوية اليومية ومنشغلة عن (صيانة) هذه الآلة، وإعدادها للعمل في مراحل حضارية مختلفة من عمر المجتمع. وثالثها، أن المجتمعات عموماً تتجه نحو الفردانية كمسار تاريخي وحضاري، هذا يعني أن مفهوم الحرية الشخصية يتبلور وحده دون الحاجة إلى خلقه في المجتمع، ومع تبلور هذه المفهوم تجد كل الكيانات التي تمارس نشاطاً سلطوياً، ولو محدوداً، نفسها في مواجهة أسئلة تزداد حدةً سنة بعد سنة، حول حق التيار في التسلط على الفرد وإجباره على الانصياع لنظم معينة حتى لو كانت مقدسة في نظر التيار. ورابعها، أن عدم توضيح موقف التيار الصريح من حق السلطة قد يضعها في أزمات مع السلطة الشرعية نفسها، وهي الأزمات التي قد تنتهي بوضع قيود تنفيذية صارمة على نشاط التيار، أو التشكيك في نياته.
الذي يختصر السلبيات هو حقيقة أن التيار، أي تيار، لا يمكن ولا يجب أن يمتلك أي سلطات وإلا تحول إلى شيء آخر غير التيار. والمجتمعات شهدت أمثلة كثيرة من تحول التيارات تدريجياً إلى أحزاب وأنظمة، لتفقد بذلك روح التيار وتتحول إلى كيانات سلطوية لا يمكنها الاستمرار في قيادة المجتمع ثقافياً. ولربما لا يهتم التيار لأمر هذه الخسارة الثقافية مقابل مكسب سياسي ما، إلا أنه يخرج من دائرة التأثير الناعم في أفراد المجتمع إلى الفرض الإجباري لمجموعة نظم سياسية لا تأبه في النهاية لقبول المجتمع أو رفضه.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي