|
حملة التبرعات
السعودية لإغاثة غزة، والتي كان التلفزيون السعودي يبث مجرياتها
قبل أسابيع قليلة، كانت جميلة ومعبرة، ولكنها لم تخل برأيي من أربع
شوائب شوهت جمالها، وعكرت صفوها ونقاء نياتها. لماذا حشد التلفزيون
السعودي علماء الدين ودعاته ووعاظه فقط للحثِّ على التبرع؟ ولماذا
تتم استضافتهم على الشاشة في ترتيب معين بحيث يظهر أولاً الأقل
شهرة ثم يتدرج الظهور حتى يصل إلى من هم أشهر وأكثر شعبية ونجومية
في آخر الحملة؟ وما الفائدة التي يرجوها المذيع عندما يسعى لإحراج
كبار المتبرعين ولمزهم بأن تبرعاتهم لا تتناسب مع ثرواتهم؟ ثم
لماذا وجدنا أكثر رجال الدين المشاركين قد راحوا يهجون (اليهود)
على أنهم مجرمو الحرب، وليس (الصهاينة) الذين هم طائفة سياسية
مستقلة؟
أربعة أسئلة تختلف في معانيها ومدلولاتها، ولم تطرحها هذه المقالة
إلا بعد أن انتهت أحداث غزة المؤلمة (كما نرجو)، لئلا يُلْبِس
طرحها على البعض فيرون فيها هجوماً على حملة التبرعات كفكرة، أو
تثبيطاً لجهود القائمين عليها سواءً من الجهات الحكومية أو
التلفزيون السعودي. فمواسم الاحتقانات الأيديولوجية أثبتت أن الفهم
الخاطئ والقفز فوق السطور والتطويح بالاتهامات المعلبة هي ممارسات
شائعة يجوز معها الترحم على أهل التروي والتعمق والدقة في تصنيف
المواقف.
ولكنها في نهاية المطاف أسئلة حرة ومبررة، ويجب أن تطرح، لأن حملة
التبرعات هي حدثٌ شعبي كبير، ينفعل به القاصي والداني. ورغم مظلته
الحكومية إلا أنه مدعومٌ بالرغبة الشعبية التي لا يمكن تجاهلها.
هذا يعني أن الحملة كانت أشبه بمشروع وطني، يمكن الإشارة عليه
بوصفه رسالة رسمية من الشعب السعودي إلى العالم. وهنا تكمن أهمية
تنقيته من الأخطاء التنفيذية، والانتباه إلى مدلولات الخطاب الذي
يتم بثه إلى العالم باسم السعودية.
المواطن السعودي يسعى إلى إغاثة ضحايا غزة من منطلقات لا نهائية،
أحدها هو المنطلق الديني. وهذا ليس تحجيماً للأخير بقدر ما هو
إحقاق للمنطلقات الأخرى ودورها في خلق الدوافع الإنسانية المؤدية
إلى التبرع. والتيار الديني كان وما زال أحد أكثر التيارات فعالية
في أنشطة التبرع الخيرية، ورغم أن جزءاً منها منصبٌ على تغذية
التيار نفسه بالتوعية والجذب، إلا أن الجزء الأكبر منصرفٌ إلى
الأعمال الإنسانية البحتة المتخارجة عن مظلة الترويج، مثل كفالة
الأيتام ورعاية الفقراء والمساكين وغير ذلك. هذه حقيقة لا يمكن
إنكارها، ولعلها من أهم الأوسمة التي يمكن أن يعلقها التيار الديني
على صدره. هذا لا يعني أنهم وحدهم في هذا الميدان، وأن حملات
التبرعات والصدقات والإغاثات هي ممارسة تيارية يحتكرها تيارٌ دون
آخر، أو حتى دينٌ دون آخر، بل هي ممارسة إنسانية عامة، مورست في كل
مكان وزمان. فلماذا إذن قام التلفزيون السعودي بحصر المساحات
الوقتية طيلة فترة الحملة لعلماء الدين والوعاظ، بصفاتهم الرمزية،
وكأن حملة التبرعات بأسرها هي مشروعهم وحدهم ولا أحد أقدر منهم على
دفع الناس إلى إخراج ما في جيوبهم لنصرة شعب محتاج؟ أين كان
المثقفون، والفنانون، والسياسيون، والبيروقراطيون، وأبطال الرياضة،
وعلماء الاقتصاد والاجتماع والنفس؟ بل أين كان رجال الدين الذين
يمثلون طوائف أخرى من المجتمع، ويحملون عمقاً رمزياً مؤثراً أيضاً؟
كنا نتمنى لو استضاف التلفزيون مجموعة منتقاة من أطياف فكرية
وتيارية ومهنية مختلفة حتى تبرز حملة التبرعات بوصفها ممارسة
ثقافية وطنية لا تحتكرها فئة دون أخرى، ولا يحاول أحد التيارات
تجييرها لصالحه ولو بشكل غير مباشر. لأن في هذه الأخيرة منافاة
للحقيقة، وتدبيجاً غير مباشر لممارسة تيارية كان بوسعنا أن ننزه
منها مثل هذه الحملة الوطنية الإنسانية الجميلة. رغم أنها، وإن
سلمنا جدلاً بأن رجال الدين هم الأكثر استعداداً وجاهزية للظهور
على شاشة التلفزيون، وعلى الهواء مباشرة، فلا شك أن ترتيب ظهورهم
على الشاشة حسب مستوى نجوميتهم الشعبية يمنح دلالة واضحة على أنهم
يتم تحويلهم من نخب ثقافية إلى خليط من المشاريع الشخصية، والأدوات
الترويجية، بما لا يليق بالمستوى الذي يرجونه لأنفسهم، ويريده
مريدوهم عليه.
أيضاً، تكرر أكثر من مرة أن يلمز المذيع بعض المتبرعين استهانة
بمبالغ تبرعهم الضئيلة غير المتناسبة مع ثرواتهم. وعلى الأقل أنها
جاءت لمزاً هذه المرة، وليس مثلما حدث في حملة تبرعات سابقة عندما
حوّل أحد الوعاظ الحاضرين وقت البث إلى هجاء تلفزيوني خطابي مباشر
للبنوك السعودية، فخرج بذلك وأخرج المشاهدين معه من أجواء الحملة
ومشاعرها الإنسانية إلى حالات صغيرة وشخصية جداً.
أرى شخصياً أن لمز المتبرعين وإحراجهم على الهواء مباشرة لم يدفعهم
إلى تغيير مبالغ تبرعهم، ولم يدفع من جاء بعدهم إلى التبرع بمبالغ
أكبر، بل ربما أدى إلى إحجام الكثيرين عن التبرع أصلاً خوفاً من أن
يتعرضوا لمثل هذا الإحراج العلني أمام الملأ. الإحراج غير المسيطر
عليه، والذي لا يمكن تحويله إلى قضايا تشويه سمعة أو ما شابه ذلك.
هل كانت الحملة لتحقق مبالغ أكبر لو لم يستخدم المذيع هذه الآلية
الممجوجة مع أغلب المتبرعين الكبار الذين لا تروق له أرقام تبرعهم؟
ألم يطف بذهن المذيع أن الأمر قد لا يتعلق بالشحّ بقدر ما يتعلق
بحسابات اقتصادية وتجارية معقدة قد تمنع الجهة المتبرعة من إعلان
تبرعها بمبلغ كبير في ظل وجود استحقاقات معينة عليها؟
آخر الأسئلة ظفر بإجابة دقيقة وجيدة من المفكر السعودي محمد بن علي
المحمود الذي كتب في صحيفة الرياض (22 يناير 2009) مقالة مهمة
تناول فيها خطورة (تديين الصراع)، هذه الممارسة التي ما فتئ الكثير
من علماء الدين ودعاته إلى التكريس لها بشكل مباشر، سواءً في
ظهورهم على التلفزيون أثناء الحملة، أو في خطبهم ومقالاتهم
وقنوتهم. وقد ذكر المحمود سلبيات ظاهرة لتديين الصراع في نموذج
أحداث غزة، وكيف أدى ذلك إلى حجب حقيقة المأساة الكبيرة التي حدثت
بتحويلها إلى مجرد جولة أخرى بين الكفر والإيمان، وسيتم تعويضها
يوماً ما، دنيوياً أو أخروياً، في وعود مقدسة لا يمنع الإيمان بها
من استيقان الحجم الحقيقي للكارثة التي وقعت في غزة، وتسبب فيها من
تسبب.
حملات التبرع لإغاثة المحتاجين في العالم بأسره هي آيات إنسانية
شاملة، لا يمكن تجييرها لصالح الدين أو الإعلام أو التيار أو
الحكومة أو الطائفة. اليد التي تخرج ما في الجيب وتنتهي به إلى
لقمة أو دواء أو كساء للمحتاجين هي يدٌ بشرية، وليست أداة دينية،
ولا مذياعاً موجهاً، ولا شعاراً تسويقياً، وأي محاولة لإخراج هذه
اليد من صفتها البشرية هو تشويه متعمد لها، يخرجها من فسحة الإنسان
إلى ضيق الصناديق والأجندات. |