الحوار وليس المناظرة

جريدة الوطن السعودية، 11 ديسمبر 2006


 

الآن تدحرجت كرة الأيديولوجيا إلى ملعبنا، أو بالأحرى، بلغ مجتمعنا عمراً يؤهله أن يلبس ملابس الكبار، ويتصرف كما يتصرفون، ويختلف كما يختلفون! وأصبحت المجالس، والمقاهي، والصحف، والمنتديات، وصالات الانتظار، وجلسات الضحى، وهدآت المساء لا تخلو كلها من أطراف حوار فكري ما، ورؤى جدلية عابرة، وآراء متعاكسة، ومتآخية، ومتناظرة حول محور!، كلها تدور حول مستحدثات ثقافية جديدة، طارئة، ملحة، ومحفزة، تفرق بين المرء وأخيه. أصبح عندنا همومٌ أوسع من المليونين وربع كيلو مربع التي نعيش فوقها. وكل يوم تنزل علينا من السماء حالة جدلية جديدة، نظل مشغولين بشدها، وجذبها، وتصنيفها، وتأويلها، وتحزيبها، ثم تجميدها إذا استلزم الأمر، والانشغال بحالة جديدة.

 الأيديولوجيا وصلت!، قررت أن تحط رحالها في هذا المكان الذي استوفى أخيراً تلك الشروط الحضارية، والمرحلة التاريخية، التي تجعل من وجودها فيه ممكناً. واشتعلت الأسئلة التي صارت تشاركنا الشاي، والموقد، والإذاعة، والشارع، والسوق، والسيارة، وتكلفنا الصديق، والقريب، والجار. أسئلة الدين، والسلوك، والوطنية، والمرأة، والحب، والتقاليد، والعولمة، والتثاقف، والتربية، والسياسة، والحلال القديم، والحلال الجديد، والحرام القديم، والحرام الجديد. باختصار، كل الأسئلة التي تجعلنا متأهبين للركض في ردهات كلامية قلما ركضنا في مثلها في السنوات الماضية من عمر مجتمعنا الشاب. 

وبما أنها وصلت، الأيديولوجيا، بنعمائها ولعناتها، وبما أنا مجبرون على أن نفسح لها مكاناً واسعاً من ألسنتنا، وحناجرنا، وأقلامنا، وأسماعنا، وأبصارنا، فمن الواجب أن نعيد مساءلة استعداداتنا لاستضافة هذه الضيفة المحنكة، وبما أننا أقوام متهمون بالصوتية منذ أمد بعيد، فلعل هذه التهمة تدفعنا إلى أن نبدأ فعلاً بمساءلة استعداداتنا الصوتية أولاً، قبل كل الاستعدادات الأخرى، ترى ماذا سنستخدم للتعامل مع الأيديولوجيا الثقيلة هذه: الحوار أم المناظرة؟ 

هل ثمة مجال للخلط هنا؟ أجل، ذلك الخلط الذي صار يعتبر من المسببات الرئيسة لجفاف الحلق، والسعال، والصداع، والشحناء، والقلق، بغض النظر عن مستوى الكلام، واتجاهاته. أعتقد أن كل من تورط من قبل في نقاش ذي صبغة تيارية أو أيديولوجية مع شخص يتكلم العربية (بلهجة سعودية غالباً)، سيجد هذا الخلط المشؤوم بين المفهومين واضحاً، حتى لو بدأ النقاش بجمل أنيقة مثل (مع احترامي لرأيك) و(اختلاف الرأي..) و(لك حرية التعبير)، أو تلك الابتسامات التي تحاول عكس صورة بصرية لاتساع الأفق، وحضور الحكمة، فإن فعل قبول الاختلاف الفكري يظل مسألة مستعصية بطول النقاش وعرضه. وسواء كان المتناقشون أحاديي الرأي، أو ثنائييه، أو ثلاثييه، سيجدون أنفسهم متسائلين بشيء من الضيق عن سبب خروج النقاش عن مساره المريح دائماً.. دائماً! 

ذلك أننا نظن ابتداءً أننا (نتحاور)، لنجد أننا في الحقيقة: (نتناظر)، وهذا الانحراف الكلامي أو الكتابي غير المقصود هو في الحقيقة شائع جداً ومتوقع، لاسيما في المجتمعات المعتادة على الثياب الموحدة، والنظم الموحدة، والأفكار الموحدة، التي لم ينزرع فيها المختلف كدهشة جميلة، ولقاح خصب، وحقيقة يجب قبولها بإيجابية. وعندما تكون كل الأدوات النقاشية التي تعلمناها منذ الصغر عبارة عن أدوات ذات طابع (مناظراتي) فمن الطبيعي أن يكون تدريبنا المتراكم على المناظرة أسهل، وأكثر شيوعاً، وقبولاً. ذلك أن المناظرة فعلٌ سهلٌ نسبياً بالمقارنة مع الحوار، إذ لا تتطلب المناظرة في الغالب أكثر من استكناه النظرية (أو حفظها!)، ثم البدء في السلوك العدواني المسمى جدلاً (دحض الحجة بالحجة!)، التي تستند على نوعية لا تختلف كثيراً عن النوايا إياها من نوع (ألقمه الحجر، فبُهت الذي كفر). بينما يتطلب الحوار في المقابل قوة ذهنية كافية لتلقي الفكرة المقابلة بشكل صحيح، وإعادة توجيهها أو تدويرها لتتناغم مع الرتم الفكري، والثقافي الذي يتم طرحه. 

وأستطرد هنا، أن المناظرة ليست في الأصل فعلاً حوارياً، ولا تنتمي لعائلة (الحوار) بأي شكل من الأشكال، وهي في هذا الزمن من عمر الحضارة أصبحت أداة سيئة، إثمها أكبر من نفعها، وأثرها التخريبي على عملية التثاقف الحيوية كبير وفادح، بينما تراجعت فوائدها التقويمية أو التصويبية كثيراً بعد أن ابتكر الفلاسفة والمثقفون حلولاً أنجع للخلافات الفكرية، محيلين (المناظرة) للتقاعد، وللأسف، دون أن يشعرونا بهذا القرار المهم، الذي ينص على أن المناظرة لا يمكن أن تقدم فائدة جلية لتقريب وجهات النظر، وتأليف شتات الأفكار، لأنها في الأصل مرتكزة على بطلان فكرة الطرف الآخر، وإلا لما كانت هناك حاجة لمناظرتها، بينما أن التواصل المطلوب لا يمكن أن يفعّل بشكل إيجابي بدون الحوار، الذي يرتكز في المقابل على الإيمان المسبق بقيمة الأفكار التي يطرحها الطرف الآخر، واستحقاقها للحوار، طمعاً في تعظيم الفائدة، وتكريسها في منظومات حوارية مفيدة ومنتشرة. والمناظرة أيضاً تتطلب كشرط من شروطها أن تكون المرجعية مشتركة، وهذا شرطٌ صعب التحقق، بل إنه أصبح شرطاً مستحيلاً لأن الحضارة البشرية أصبحت أعقد من أن يكون تتبع مرجعيتها ممكناً. وفي حالة تحققه، كافتراض جدلي، ففيم التناظر إذن إذا اتفقنا على الأسس، إلا من أجل إرضاء شهوة جدلية لا خير فيها؟، إذ لا تعدو الاختلافات هنا كونها اختلافات اجتهادية، تنفيذية، لن تفرز في أعلى حالاتها نجاحاً أكثر من إعادة تدوير الفكرة نفسها، والنظر إليها من زاوية عقيمة أخرى. ولا يمكن أن يؤدي الأمر إلى خلق أفكار جديدة، محرضة على الدهشة، والانبهار الفلسفي الإيجابي.

 على الطرف المقابل يفترض الحوار مسبقاً أن الطرفين يرتكزان على مرجعيات متعددة، وهي ضرورة أساسية لإحداث التلاقح المطلوب بين الحزم الفكرية للمجتمع، مثلما أن علم الجينات يحث على تزاوج الغرباء ليقوى النسل، فإن الأفكار المتباعدة غالباً ما يسفر تلاقحها النادر عن رؤى محرضة، ومرايا صادقة، وشك إيجابي، يستطيع كل طرف من خلالها إعادة تقييم نفسه، وموقفه، ومصادره، ورؤاه، ليبقى حياً، ومؤهلاً، ومغرياً للتحاور.

 أفكر أحياناً أن المناظرة تشبه مصارعة السومو، ينتصر فيها الأكثر شحماً، وليس الأنبه ذهناً، وفي المناظرة غالباً ينتصر الأعلى صوتاً، والأكثر جمهوراً، وفي أحيان أخرى (الأقل حياءً)!، بينما يستنكف الكيّس أن يشوه فكرته الناصعة في وحل نقاش دميم. لاسيما أن فكرتي الانتصار، أو الانهزام ليستا طريقين معتمدين للحقيقة، وإن تعالى التصفيق، (أو التكبير)، فلن ينتبه الجمع أن الحقيقة خرجت من الباب الخلفي، رافضة أن تمنح نفسها لقوى التناطح الفكري التي لا يعول عليها. حتى نعيد تجديد دمائنا النقاشية، ونقلل من العدد المتزايد للطرق المسدودة التي صرنا نفاجأ بها كل يوم في نقاشنا اليومي مع القريب والبعيد، أقترح أن نمنح أدوات التناظر عندنا إجازة مفتوحة!، بعد أن استهلكناها جداً منذ مئات السنين، ونتيح لأنفسنا الفرصة لتعلم مهارات حوارية هذه المرة. وبقدر ما أعرف ويعرف الكثيرون مدى صعوبة هذا التبديل، نعرف أيضاً ما يمكن أن تدرّه من قيم حضارية لا يمكن أن تدرّها الكتب الصفراء مهما اعتصرناها، ولا العقول القديمة مهما أوّلناها. إنه خيارنا العصري، في زمننا الذي لا يشاركنا فيه الأولون، ولا يقتسمه معنا من هم تحت التراب.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي